logo
العالم
خاص

أمريكا اللاتينية تدخل "معركة التصنيف".. الأرجنتين تتبع خطى واشنطن ضد "الإخوان"

جماعة الإخوان المصدر: ispionline

لم يأتِ قرار الأرجنتين المتعلق بحظر فروع جماعة الإخوان المسلمين كخطوة منفصلة عن مسار أوسع بدأ يتبلور في أكثر من دولة داخل أمريكا اللاتينية.

ويعكس القرار تحوّلاً تدريجياً في طريقة مقاربة الإخوان، كتنظيم أيديولوجي عابر للحدود، يعمل عبر شبكات مرنة، ويستثمر في المساحات القانونية المفتوحة داخل المجتمعات.

هذا التحول لا ينفصل عن سياق دولي أوسع، يتقاطع فيه تشديد الرقابة على التنظيم مع سياسات أمنية تقودها الولايات المتحدة، ومع نقاشات متصاعدة داخل القارة اللاتينية حول مخاطر التنظيمات غير المحلية على الاستقرار السياسي والمالي، حتى في الدول التي لا تشهد حضورًا مباشرًا أو علنيًا للإخوان.

أخبار ذات علاقة

رفع أعلام لجماعة الإخوان المسلمين

بعد مقترح بتصنيفها إرهابية.. ما خفايا جماعة "الإخوان" في فرنسا؟

وأعلنت حكومة الأرجنتين، برئاسة الرئيس خافيير ميلي، تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في كل من مصر، والأردن، ولبنان، كمنظمات "إرهابية"، وذلك عبر إدراجها على لائحة المنظمات المصنّفة إرهابيًا ضمن السجل الوطني للأشخاص والكيانات المرتبطة بأعمال الإرهاب وتمويله.

وجاء هذا القرار، بعد يوم واحد من إعلان الولايات المتحدة، رسميًا، تصنيف نفس الفروع كمنظمات إرهابية ضمن إجراءات أمنية اتخذتها وزارة الخزانة والخارجية، في خطوة تضع الجماعة في خانة التهديدات التي تتجاوز الجغرافيا التقليدية للصراع مع الإخوان.

تحوّل النظرة داخل الدوائر الأمنية

أوساط سياسية إقليمية أفادت لـ"إرم نيوز" أن بوينس آيرس تحركت انطلاقًا من قناعة بأن الإخوان باتوا يمثلون نموذجًا تنظيميًا مقلقًا، يعتمد على العمل تحت عناوين اجتماعية وخيرية وثقافية، فيما يحتفظ ببنية فكرية مغلقة، وقدرة على التكيّف والانتشار داخل البيئات الهشة أو المتسامحة قانونيًا.

مصادر سياسية في البرازيل أشارت إلى أن الإشكالية الأساسية مع الإخوان لا تكمن في حجم حضورهم، بل في طبيعة نموذجهم التنظيمي القائم على الازدواجية بين الخطاب العلني المعتدل والبنية الداخلية المؤدلجة، وهو ما تعتبره هذه الدول تهديداً طويل الأمد للاستقرار المؤسسي.

في السنوات الأخيرة، تغيّر توصيف الإخوان داخل عدد من الدوائر الأمنية في أمريكا اللاتينية، فالتنظيم بات يُنظر إليه كـفاعل غير دولتي يمتلك امتدادات فكرية ومالية، ويتقاطع في بعض حالاته مع شبكات تمويل غير شفافة. هذا التحول في النظرة يفسّر سبب إدراج الإخوان في نقاشات مكافحة التطرف العابر للحدود، حتى في دول لا تشهد نشاطاً سياسياً مباشراً للتنظيم.

ضمن هذا السياق، تبرز البرازيل كحالة محورية، فبحسب مصدر سياسي برازيلي مطّلع، فإن دوائر أمنية وتشريعية في البلاد بدأت، خلال الأشهر الماضية، مراجعة تقييمها لعدد من التنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي العابر للحدود، ومن بينها الإخوان. ويؤكد المصدر أن النقاش لا يدور، حالياً، حول حظر فوري، ولكن حول إعادة تصنيف طبيعة المخاطر التي قد يشكلها التنظيم على المدى المتوسط.

من التجربة الأرجنتينية إلى الحسابات الإقليمية

ويضيف المصدر خلال تصريحات لـ"إرم نيوز" أن التجربة الأرجنتينية وفّرت مثالاً عملياً يمكن الاستفادة منه، خاصة فيما يتعلق بالشق القانوني، وآليات الربط بين الأمن القومي ومنع تغلغل التنظيمات المؤدلجة داخل المجتمع المدني. وبرأي المصدر، فإن أي خطوة مستقبلية في البرازيل ستكون نتاج مسار تراكمي، وستنطلق من فرضية واضحة مفادها أن الإخوان عبارة عن تنظيم سياسي مؤدلج له تاريخ طويل في استغلال الهياكل القانونية المفتوحة.

كذلك فقد أسهمت التوترات المستمرة في فنزويلا في تسريع هذا النقاش. فالدول المجاورة باتت أكثر حساسية تجاه أي تنظيمات عابرة للحدود يمكن أن تستثمر في حالات الانقسام أو الضعف المؤسسي. في هذا المسار، يُنظر إلى الإخوان كتنظيم قادر على العمل داخل الفجوات السياسية والاجتماعية، مستفيداً من خطاب ديني مرن ظاهرياً، لكنه شديد الانضباط أيديولوجياً في الداخل.

مصادر سياسية لاتينية ترى أن القلق لا يرتبط بسيناريوهات وشيكة فحسب، ولكن بإدراك متزايد بأن تجاهل هذه التنظيمات في المراحل المبكرة يخلق أعباء أمنية لاحقة يصعب احتواؤها. من هنا، يُطرح الحظر أو التقييد كأداة وقائية، وليس كإجراء عقابي فقط.

كذلك لا يمكن قراءة القرار الذي اتخذته الأرجنتين بمعزل عن تحركات موازية، وإن كانت أقل حدّة، شهدتها دول أخرى في أمريكا اللاتينية. فالتوجّه نحو تشديد الرقابة على الجماعات ذات الطابع الأيديولوجي العابر للحدود، ومن بينها الجماعات المرتبطة فكرياً بتنظيم الإخوان، لم يبدأ من بوينس آيرس، بل جاء تتويجاً لمسار تراكمي من الإجراءات الأمنية والمالية والقانونية في أكثر من دولة.

من الحظر إلى التجفيف المالي

في الإكوادور، اتخذت السلطات، مؤخراً، خطوات واضحة لربط عدد من الجمعيات والمنظمات الدينية بملفات رصد التمويل والتحويلات المالية المشبوهة، في سياق أوسع لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. هذه الإجراءات وإن لم تُقدَّم، رسمياً، على أنها استهداف مباشر للإخوان كتنظيم، لكنها وُضعت ضمن إطار مواجهة الشبكات الأيديولوجية التي تعمل عبر واجهات خيرية أو اجتماعية، وتحتفظ بروابط تنظيمية أو فكرية خارج الحدود الوطنية.

الأمر ذاته ينطبق على دول مثل بنما وباراغواي، حيث أظهرت تقارير إعلامية دولية تركيزاً متزايداً من وحدات الاستخبارات المالية على مسارات التمويل غير التقليدية، وعلى الجمعيات التي يُشتبه باستخدامها كقنوات دعم لتيارات أيديولوجية منظمة. في هذه الدول، لم يُطرح خيار الحظر بصيغته القانونية المباشرة حتى الآن، لكن تم التعامل مع الملف من زاوية أمنية صرفة، تقوم على التضييق المالي والإداري بوصفه أداة ردع فعّالة.

هذا المسار اللاتيني لا ينفصل عن تحوّل أوسع في النظرة الدولية إلى تنظيم الإخوان، الذي بات يُقارب في عدد متزايد من الدول بوصفه تنظيماً أيديولوجياً عابراً للحدود. خلال السنوات القليلة الماضية، شهدت عدة دول في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا مراجعات رسمية لوضع الإخوان، ركّزت على 3 نقاط رئيسة تتمحور حول البنية التنظيمية المغلقة، والخطاب المزدوج، والقدرة على التغلغل داخل مؤسسات المجتمع المدني.

في هذا السياق، باتت الإجراءات المتخذة ضد الإخوان ممتدة إلى دول تتعامل مع الملف من منظور الأمن الوقائي، حتى في غياب نشاط عنيف مباشر. هذا التحول أسهم في تكريس فكرة أن الإخوان يمثلون نموذجاً تنظيمياً مقلقاً، يمكن أن يتحول إلى عامل عدم استقرار في لحظات الأزمات السياسية أو الاقتصادية.

من التساهل إلى المراجعة

ويَعتبر ريكاردو أليفييرا، الباحث السياسي البرازيلي المتخصص في السياسات العامة والأمن غير التقليدي، أن التعامل مع تنظيم الإخوان في أمريكا اللاتينية تأخر أكثر مما ينبغي. فالإخوان برأيه، لا يمثلون خطراً أمنياً مباشراً على شاكلة التنظيمات العنيفة، لكن خطورتهم تكمن في نموذجهم التنظيمي القابل للتكيف، وفي قدرتهم على العمل داخل الأطر القانونية للدول الديمقراطية دون الاصطدام المباشر معها.

ويشير أليفييرا خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إلى أن الخطأ الذي ارتكبته دول عديدة في القارة تمثل في النظر إلى الإخوان باعتبارهم ظاهرة ثقافية وافدة، وليس كتنظيم سياسي مؤدلج يمتلك تصوراً خاصاً للدولة والمجتمع والشرعية. هذا الفهم القاصر، بحسبه، سمح للتنظيم بالتحرك بهدوء داخل فضاءات المجتمع المدني، وبناء شبكات تأثير طويلة الأمد، دون أن يلفت الانتباه الأمني في مراحله الأولى.

من هذا المنطلق، يرى أليفييرا أن القرار الأرجنتيني يعكس نضجاً متأخراً في المقاربة، لأنه ينطلق من إطار البحث في كيفية عمل التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود داخل الدول الحديثة. 

وبرأيه، فإن حظر الإخوان أو تقييدهم ينبغي أن يُقرأ كجزء من إعادة تعريف حدود العمل السياسي المشروع داخل الدولة الوطنية. فالتنظيم، كما يقول، لا يؤمن بالحياد المؤسسي للدولة، بل يتعامل معها كمساحة يمكن اختراقها وإعادة توجيهها، وهو منطق يتناقض جوهرياً مع أسس الدولة الدستورية في أمريكا اللاتينية.

البنية الداخلية للإخوان تحت المجهر

من جانبه، رأى نادر الحسن، الباحث في الإسلام السياسي وتحولات التنظيمات العابرة للحدود، أن ما يجري في أمريكا اللاتينية يتعلق بإعادة نظر أعمق في نموذج الإسلام السياسي ككل، وفي قدرته على العمل داخل الدول الحديثة دون أن يتحول إلى عبء بنيوي عليها. 

فالإخوان، بحسبه، يمثلون الصيغة الأكثر تطوراً لهذا النموذج، والأكثر قدرة على التكيف مع البيئات غير الإسلامية، وهو ما يجعلهم في الوقت ذاته الأكثر إثارة للقلق.

وأشار الحسن لـ"إرم نيوز" إلى أن التنظيم راكم عبر عقود، خبرة خاصة في فصل الشكل عن المضمون: "خطاب علني يتكيّف مع القوانين المحلية ويؤكد احترام الدولة، وبنية داخلية مغلقة لا ترى في الدولة إطاراً نهائياً للانتماء أو الشرعية".

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو

هل خرجت واشنطن من "المنطقة الرمادية" في علاقتها مع "الإخوان"؟

خصوصية الحالة اللاتينية

وأضاف أن خصوصية الحالة اللاتينية تكمن في أن الإخوان لم يدخلوا هذه المجتمعات من بوابة السياسة، بل من بوابة العمل الأهلي والديني والثقافي، وهو ما منحهم هامش حركة أوسع وأقل خضوعاً للتدقيق. غير أن هذا المسار، كما يقول، لم يعد يُنظر إليه باعتباره نشاطاً مجتمعياً بريئاً، إنما كجزء من إستراتيجية تنظيمية طويلة النفس، تستثمر في ضعف الرقابة، وفي حساسية الدول تجاه قضايا الحريات الدينية. ح

من وجهة نظر الحسن، فإن انتقال دول بعيدة عن المجال التقليدي لنشاط الإخوان إلى إعادة تقييم علاقتها مع التنظيم، يعكس إدراكاً متأخراً لحقيقة أن الإسلام السياسي لم يعد ظاهرة مرتبطة بسياق ثقافي بعينه، بل منظومة عابرة للجغرافيا، قادرة على إعادة إنتاج نفسها حيثما توافرت بيئات قانونية مرنة. 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC