أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب، الثلاثاء، تصنيف ثلاثة أفرع من جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية، ما مثل نقطة تحول في التعامل مع الجماعة التي ظلت لعقود في "منطقة رمادية" من السياسة الخارجية الأمريكية.
وزارتا الخارجية والخزانة الأمريكيتان أصدرتا تصنيفات مختلفة للفروع الثلاثة. صنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني كـ"منظمة إرهابية أجنبية"، وهو التصنيف الأشد خطورة الذي يجعل تقديم الدعم المادي للجماعة جريمة جنائية.
أما الفرعان المصري والأردني، فقد أدرجتهما وزارة الخزانة كـ"إرهابيين عالميين محددين خصيصاً" بتهمة تقديم الدعم لحركة حماس.
وبرر وزير الخارجية ماركو روبيو القرار بقوله: "هذه التصنيفات تعكس الإجراءات الافتتاحية لجهد مستمر ومستدام لإحباط عنف وزعزعة استقرار فروع الإخوان المسلمين".
وأضاف أن "الولايات المتحدة ستستخدم جميع الأدوات المتاحة لحرمان هذه الفروع من الموارد اللازمة للانخراط في الإرهاب أو دعمه".
يقدم الخبير الجيوسياسي الفرنسي رولان لومباردي، لـ"إرم نيوز"، قراءة عميقة لهذا القرار تتجاوز الخطاب الرسمي، حيث يرى أن قرار واشنطن يندرج أولاً وقبل كل شيء ضمن منطق الأمن القومي والسياسة الواقعية (Realpolitik).
ويوضح الخبير الفرنسي أن الولايات المتحدة لا تشكك بشكل أساسي في الجماعة بأكملها، بل تستهدف هياكل معينة تعتبرها متورطة مباشرة في أنشطة تخريبية أو تمويل غامض أو دعم غير مباشر لجماعات عنيفة.
ويشدد لومباردي على أن القرار يمثل أيضاً "إشارة سياسية واضحة موجهة إلى بعض حلفاء الشرق الأوسط الذين يعتبرون الإخوان المسلمين تهديداً وجودياً". وبالفعل، رحبت هذه الدول بالإعلان الأمريكي، واصفة إياه بـ"خطوة حاسمة" في مكافحة "التطرف" و"التهديد المباشر" للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
معضلة لدول أخرى في المنطقة
لكن التحليل الأكثر أهمية الذي يقدمه لومباردي يتعلق بالتداعيات على العلاقات مع بعض الدول في المنطقة الداعمة للإخوان.
ويحذر الخبير الفرنسي من أن هذا القرار "يخاطر أيضاً بإثارة استياء شديد من قبلهم، كونهم داعمين للجماعة وشريكا أيضاً للولايات المتحدة".
هنا تكمن المفارقة، كما يوضح الأستاذ ناثان براون من جامعة جورج واشنطن، قائلاً إن بعض حلفاء الولايات المتحدة، سيكونون راضين عن التصنيف، لكن "بالنسبة للحكومات الأخرى حيث يتم التسامح مع الإخوان، سيكون ذلك شوكة في العلاقات الثنائية".
يخلص لومباردي إلى أن "واشنطن تعدل براغماتيتها: أيديولوجية أقل، وإدارة أكبر لموازين القوى الإقليمية".
هذا التوصيف يكشف عن تحول في المقاربة الأمريكية من النقاشات الأيديولوجية حول الديمقراطية والإسلام السياسي إلى حسابات استراتيجية بحتة قائمة على المصالح وموازين القوى.
وأخيراً، يلفت لومباردي الانتباه إلى أن هذا القرار "يعكس ثابتاً في الدبلوماسية الأمريكية: عدم قطع الجسور تماماً أبداً، بل الاحتفاظ بوسائل ضغط قابلة للتعديل على فاعل إسلامي متعدد الأشكال، لا يزال تأثيره حقيقياً في العديد من المجتمعات العربية".
هذه الملاحظة حاسمة: فالتصنيف يستهدف فروعاً محددة وليس الجماعة بأكملها، مما يترك لواشنطن مجالاً للمناورة والتفاوض مع أجنحة أخرى من الجماعة في المستقبل.
يتيح هذا التصنيف تفعيل إجراءات مالية وإدارية، بما في ذلك تجميد الأصول وحظر المعاملات أو القيود على الدخول إلى الأراضي الأمريكية.

كما يشير الأستاذ براون إلى أن التصنيف قد يؤثر على طلبات التأشيرات واللجوء للأشخاص الذين يدخلون ليس فقط الولايات المتحدة بل أيضاً دول أوروبا الغربية وكندا.
نهاية حقبة من الغموض الاستراتيجي
يمثل قرار إدارة ترامب تصنيف ثلاثة أفرع من الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية نهاية لحقبة من الغموض الإستراتيجي في السياسة الأمريكية. كما يوضح تحليل الخبير الفرنسي رولان لومباردي، فإن هذا القرار يعكس انتقالاً من المقاربات الأيديولوجية إلى حسابات براغماتية بحتة تهدف إلى إدارة موازين القوى الإقليمية وإرضاء حلفاء محددين، وإن كان ذلك على حساب علاقات أخرى.
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه لومباردي يبقى معلقاً: كيف ستوازن واشنطن بين إرضاء دول من جهة، وتجنب إثارة استياء أخرى؟ في عالم الجيوسياسيا المعقد، قد لا تكون هناك إجابة سهلة على هذا السؤال.