logo
العالم

"القتال في الغسق".. لماذا تفشل أوروبا بإيقاف "حرب الظل" الروسية؟

مسيّرات روسيةالمصدر: منصة إكس

في 10 سبتمبر/ أيلول عام 2025، اخترقت 24 طائرة مسيّرة روسية من طراز "جيران-2" الأجواء البولندية، في حادثة غير مسبوقة دفعت وارسو لاستدعاء المادة الرابعة من حلف الناتو للمرة التاسعة فقط في تاريخ الحلف.

وبعد تسعة أيام، انتهكت ثلاث مقاتلات روسية من طراز ميغ-31 المجال الجوي الإستوني فوق خليج فنلندا لمدة 12 دقيقة. 

هاتان الحادثتان ليستا معزولتين، بل جزء من حملة روسية منهجية تسمى "حرب الظل" أو "الحرب الهجينة" التي تستهدف قلب أوروبا، وتكشف عن فشل مروع في الردع الأوروبي.

وحذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، البرلمان الأوروبي قائلة إن هذه الحوادث "ليست مضايقات عشوائية"، بل جزء من حملة منسقة لزعزعة الاستقرار وإضعاف الاتحاد الأوروبي.

لكن التحذيرات لا تكفي، إذ تواجه أوروبا تحديًا وجوديًا تفشل في مواجهته.

أخبار ذات علاقة

قمة "تحالف الراغبين" في باريس

بضمانات أمنية لأوكرانيا.. أوروبا تعيد رسم خطوط الردع في مواجهة روسيا

القتال في الغسق

تعمل الحرب الهجينة خارج الخطوط الحمراء المحددة بوضوح في منطقة رمادية، ما يجعل من الصعب على الدول المستهدفة تحديد ما إذا كانت الأنشطة الهجينة، غير المترابطة ظاهريًا، هي في الواقع أعمال عدائية مرتبطة استراتيجيًا.

وتمزج هذه الأنشطة بغموضها مفاهيم الحرب والسلام، وتبقى عمدًا أدنى من العتبة التي ستؤدي إلى استجابة عسكرية قوية.

وتشمل هذه الحرب مجموعة واسعة من التكتيكات: الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، والتخريب المادي، وحرق المصانع والمستودعات، وقطع الكابلات البحرية، واختراق المطارات بالطائرات المسيّرة، والتدخل في الانتخابات، والابتزاز الاقتصادي، ودفع اللاجئين عبر الحدود، والاغتيالات.. كلها تنفذ بطريقة يصعب نسبتها مباشرة لموسكو.

يقول المدير العام لسياسة الأمن في وزارة الدفاع البريطانية، بول وايت، إن الخصوم يسعون لإلحاق الضرر بطريقة يعتقدون أنها دون عتبة المادة الخامسة من معاهدة الناتو التي تنص على الدفاع الجماعي.

أرقام صادمة وتصاعد غير مسبوق 

منذ الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/ شباط عام 2022، تصاعدت عمليات الحرب الهجينة الروسية ضد أوروبا بشكل كبير.

وبدأت الهجمات الهجينة بشكل جدي في العام 2022، وأصبحت أكثر تواترًا في العام 2023 وأكثر بكثير في العام 2024، وفقًا لبارت شورمان، الخبير في العنف السياسي بجامعة ليدن الهولندية.

ورغم أن عام 2025 شهد انخفاضًا في عدد العمليات الهجينة الكلاسيكية إلى النصف مقارنة بعام 2024، إلا أن الحوادث البارزة استمرت: محاولة اغتيال بالقنص في فرنسا، وخطة تفجيرية أُحبطت في ألمانيا، وإغلاق مطارات في كوبنهاغن وأوسلو بسبب طائرات مسيّرة مجهولة.

ويرى المحللون أن هذا الانخفاض قد يكون مجرد توقف تكتيكي أو إعادة تقييم استراتيجية قبل عام 2026.

أسطول الظل

وكشفت شبكة CNN في ديسمبر/ كانون الأول الماضي أن روسيا تستخدم ما يسمى بـ"أسطول الظل" - مئات الناقلات التي تحمل النفط الروسي متجاوزة العقوبات الغربية - كمنصات للتجسس والتخريب.

وتحمل بعض هذه السفن أفرادًا روسًا لهم صلات بالجيش والأجهزة الأمنية الروسية، يعملون سرًا على متن سفن تحمل النفط الروسي.

يقول المسؤول السابق في الاستخبارات الدنماركية، جاكوب كارسبو: "وجود مجموعات مسلحة خاصة على متن سفن أسطول الظل هو الإنكار المعقول الكلاسيكي، الجميع حتى من لديه نصف دليل يعلم أن هؤلاء الرجال يتلقون أوامرهم من الدولة الروسية، لكن من الصعب إثبات ذلك".

كما أصبح البحر البلطيقي نقطة محورية للهجوم الهجيني الروسي، ففي ديسمبر/ كانون الأول عام 2024، قُطعت خمسة كابلات بحرية تربط إستونيا وفنلندا، ما تسبب في أضرار بعشرات الملايين من اليوروهات.

وبجانب التخريب المادي، تشن روسيا حربًا معلوماتية شاملة. 

ويوضح شورمان أن التخريب والهجمات السيبرانية والتخريب وعمليات التأثير "كلها محاولة لتقويض الدعم العام والسياسي لأوكرانيا في أوروبا، ما يساعد في نهاية المطاف الجنود الروس على الفوز بالحرب".

لماذا لا تستطيع أوروبا الرد؟

الخبير الأمني من مركز CEPA، إدوارد لوكاس، يصف الوضع بقسوة: "أوروبا تتعرض للهجوم وليس لديها استجابة جادة".

ويطرح لوكاس سؤالًا حاسمًا: "ماذا ستفعل بريطانيا، على سبيل المثال، إذا تدخلت طائرات مسيّرة غامضة في حركة الطيران في مطار هيثرو؟"، محذرًا من أن شركات الطيران تخاف بسهولة، ويمكن تصور توقفها عن الرحلات، ما يسبب أضرارًا اقتصادية هائلة.

المشكلة الأساسية، وفقًا للباحثين، تتلخص في عدة عوامل: الغموض والمشاكل الناتجة عن التحديد والإسناد هي الأسباب التي تجعل الردع التقليدي يفشل إلى حد كبير في منع روسيا من استخدام التدابير النشطة.

وأورسولا فون دير لاين نفسها اعترفت بأن هذه الحوادث "محسوبة للبقاء في الغسق من القابلية للإنكار".

كما أن الاستجابات الأوروبية تظل دفاعية ورد فعل، تكافح لمعالجة عدم اليقين الذي تزرعه روسيا.

وبحلول الوقت الذي يتم فيه تحديد الجاني، يكون هناك زخم ضئيل متبقٍ لأي عواقب تترك أثرًا في الوعي العام.

إضافة إلى الانقسام والبيروقراطية، فقد حذر المدير المساعد لمركز الاستخبارات التطبيقية، جوزيف فيتساناكيس، من أن "أوروبا ليست أكثر استعدادًا اليوم لمواجهة التقدم العسكري الروسي مما كانت عليه في العام 1939 عندما كانت القوات النازية على الأبواب".

وكشفت القمة الأوروبية الأخيرة هذا الانقسام: بلجيكا عرقلت خطة لاستخدام الأموال الروسية لتمويل دفاع أوكرانيا، ولم يُذكر أسطول الظل الروسي في استنتاجات القمة.

كما أن هناك عوامل أخرى كالخوف من التصعيد وعدم وجود "عامل الألم"، فلا شيء مما فعلته بريطانيا أو الولايات المتحدة أو فرنسا أو ألمانيا أو الدول الغربية الكبرى الأخرى أنتج "الألم" في الكرملين، الذي يجعل الأنظمة في تلك البلدان تعتقد أنها أخطأت حساباتها بشكل خطير.

أخبار ذات علاقة

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين

المفوضية الأوروبية تكشف خطة لدعم أوكرانيا بـ 90 مليار يورو

استراتيجية روسيا.. استغلال نقاط الضعف الديمقراطية

البروفيسور كارلو ماسالا من جامعة بوندسفير يشير إلى أن الظروف الأساسية غير المتماثلة هي عامل آخر.

وعلى عكس الديمقراطيات الأوروبية التي تحافظ على الحريات والمبادئ الليبرالية، لا تخضع روسيا نفسها لنفس القيود المفروضة ذاتيًا.

وتستخدم موسكو هذه الميزة بطرق متعددة، من خلال توظيف ومرتزقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلال حرية التنقل في الاتحاد الأوروبي، واستخدام سياح كجواسيس، وتمويل الأحزاب اليمينية المتطرفة، ودفع مئات الآلاف من المهاجرين عبر الحدود الشرقية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC