بعثت لقاءات بين فرقاء سياسيين في تركيا الأمل بتحريك عملية السلام المتوقفة بين أنقرة والأكراد منذ نحو شهرين، والمضي قدمًا نحو خطوات متقدمة في التشريعات والقوانين وعلى الأرض.
وكان من المقرر أن يبدأ البرلمان التركي منذ الشهر الماضي بدراسة وإقرار قوانين وتشريعات تحدد مصير قادة ومقاتلي ومعتقلي حزب العمال الكردستاني ومن منهم يستطيع العودة لتركيا، وينخرط في الحياة السياسية فيها.
لكن البرلمان تجنب البدء بتلك الخطوة رغم دعوات الأكراد المتكررة التي يقودها حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الممثل للأكراد، الذي يحتل المرتبة الثالثة في البرلمان التركي من حيث عدد النواب.
وبدت الصورة مغايرة نهاية الأسبوع المنصرم، عندما التقى زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي قياديين في حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، بحضور رئيس البرلمان نعمان كورتولموش.
ورغم كون اللقاء عابرًا خلال احتفال النواب بيوم السيادة الوطني، فإنه أعاد للأذهان لقاء مماثلاً في أكتوبر/تشرين الأول 2024، جمع بهتشلي بقادة الحزب الكردي ذاته، وشكل انطلاقة عملية السلام عبر نداء أطلقه بهتشلي يومها لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان.
وقال مصدر في البرلمان التركي إن اللقاء ترك صدىً بين النواب، وأكد تمسك حزب الحركة القومية المحسوب على أحزاب اليمين القومي المحافظ بعملية السلام رغم عدم إحراز تقدم في قضية الإطار القانوني الذي ينتظر الأكراد مناقشته في البرلمان.
وأضاف المصدر لـ"إرم نيوز" أن بهتشلي يعد قائد عملية السلام من جانب الحكومة، كونه الحليف الأهم لحزب العدالة والتنمية الحاكم والرئيس رجب طيب أردوغان، وتمثل كل مبادراته في ذلك السياق موقفًا رسميًا بشكل أو بآخر منذ إطلاقه نداء السلام في 2024.
وأوضح المصدر أن نواب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، الذي يؤدي دور الوسيط بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، رحبوا باللقاء، لكنهم لا يزالون يطالبون بإقدام الحكومة على خطوة فعلية وعاجلة في عملية السلام وإطلاق النقاشات القانونية في البرلمان الذي يملكون فيه أغلبية.
تواجه تلك الخطوة المرتقبة من الأكراد شرط أنقرة التي تربط بينها وبين تأكيد وزارة الدفاع وجهاز المخابرات التركيين، لكون حزب العمال الكردستاني لم يعد يشكل خطرًا ولا يستطيع العودة للقتال.
وتربط تركيا ذلك الشرط بكل التنظيمات التي تعدها تابعة أو حليفة لحزب العمال الكردستاني داخل وخارج تركيا، مثل قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، ومعسكرات في إقليم كردستان العراق، وحزب الحياة الحرة الكردستاني الذي يمثل الجناح الإيراني بالنسبة لأنقرة.
وتبدي الحكومة التركية تفاؤلاً بشأن عملية السلام منذ انطلاقها، وتقول إنها تسير في الاتجاه الصحيح، لكنها تتدرج في الانتقال من خطوة لأخرى منذ البدء الفعلي للعملية من الجانب الكردي، عندما دعا أوجلان في شباط/فبراير 2025 من داخل سجنه في تركيا قادة الحزب لحله وإلقاء السلاح والانخراط في عملية السلام.
وتجدد ذلك التأكيد أمس الأول الخميس، على لسان الرئيس أردوغان الذي قال في تصريحات للصحفيين داخل البرلمان إن عملية السلام لا تواجه أي مشكلة، قبل أن يلتقي وفد حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الذي يُنظر إليه على أنه الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني.
لكن لم تحدد الحكومة التركية ولا نواب التحالف الحاكم موعدًا دقيقًا حتى الآن لانطلاق مناقشات الإطار القانوني لعملية السلام، الذي يقول الجانب الكردي إن تلك الخطوة المتقدمة والأساسية تحتاج لمبادرة من الرئيس أردوغان وحليفه بهتشلي.
ويعوّل الحزب الكردي على حزب المعارضة الرئيس في البلاد، وهو حزب الشعب الجمهوري، وزعيمه أوزغور أوزيل، في دفع عملية السلام ودعوة رئيس البرلمان نعمان كورتولموش لإطلاق مناقشات الإطار القانوني.
وتستند تلك المناقشات المنتظرة إلى تقرير طويل أعدته لجنة برلمانية بعد سلسلة مناقشات واجتماعات استمرت أشهرًا، وشملت مقابلة ضباط وجنود سابقين ومنظمات مجتمع مدني وذوي ضحايا الصراع ومحامين وخبراء حل نزاعات دولية ورجال أعمال، قدموا جميعهم مقترحاتهم لحل الصراع.
وتستهدف العملية إنهاء صراع مسلح استمر أكثر من 40 عامًا وخلّف عشرات آلاف الضحايا من الجانبين، عبر حل حزب العمال الكردستاني وانخراطه في العمل السياسي في تركيا بعد إقرار تشريعات تعزز الديمقراطية في تركيا وتلبي تطلعات الأكراد في الاعتراف بهويتهم القومية ولغتهم الأم.