عقد البرلمان الإيراني جلسة غير علنية بحضور وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة اللواء عبد الرحيم موسوي، خُصصت لمناقشة مستجدات السياسة الخارجية والتطورات الأمنية، ولا سيما المفاوضات غير المباشرة الجارية بين إيران والولايات المتحدة في العاصمة العُمانية مسقط.
وتأتي الجلسة عقب انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، التي استضافتها سلطنة عُمان يوم الجمعة الماضي، في إطار مساعٍ لإعادة فتح المسار التفاوضي حول الملف النووي الإيراني.
وأكد عدد من النواب، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن عراقجي شدد أمام البرلمانيين على أن المفاوضات تُدار من موقع القوة، وأن وقف تخصيب اليورانيوم يُعد خطًا أحمر لا نقاش فيه مع الجانب الأمريكي.
في المقابل، اعتبر نواب آخرون أن ما قدمه عراقجي يكشف بوضوح أن المفاوضات لا تحقق أي مكاسب لإيران، وأن مستقبلها يدور بين ثلاثة سيناريوهات خطيرة، فيما رأى نائب آخر أن أي اتفاق محتمل يجب أن يمر عبر البرلمان، مع مطالبة الولايات المتحدة بتقديم ضمانات حقيقية لرفع العقوبات المفروضة على طهران.
وقال عضو البرلمان عن العاصمة طهران، محمد سراج، إنه "وفقًا لما قدمه عراقجي من تقرير عن المفاوضات، لا يوجد أي أمل في التوصل إلى اتفاق نووي".
وأوضح سراج لـ"إرم نيوز"، أن مسار المفاوضات الجارية لا يحمل أي فائدة حقيقية لإيران، محذرًا من أن مستقبل هذه المحادثات يدور عمليًا بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية، جميعها لا تصب في مصلحة طهران.
وأشار إلى أن مستقبل المفاوضات محصور بين ثلاثة مسارات محتملة: طريق مسدود، أو خدعة عسكرية، أو اتفاق أحادي الجانب، مشددًا على أن أياً من هذه الخيارات لا يحقق مكاسب استراتيجية أو سياسية لإيران.
وأضاف أن الولايات المتحدة تتعامل مع المفاوضات كأداة تكتيكية، موضحًا أن واشنطن إما تستخدم طاولة التفاوض غطاءً لعمل عسكري محتمل، أو تسعى عبر مطالب مفرطة إلى إفشال أي اتفاق، أو أنها "حتى في حال التوصل إلى تفاهم شكلي" لن ترفع العقوبات الأساسية المؤثرة في الاقتصاد الإيراني.
وأشار النائب إلى أن التجربة السابقة أثبتت، بحسب تعبيره، أن الجانب الأمريكي لا يلتزم عمليًا بتعهداته، وأن هدفه الحقيقي يتمثل في إدارة الأزمة لا حلها، والإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية المفروضة على إيران.
وختم بالقول إن استمرار المفاوضات في ظل هذه المعطيات قد يؤدي إلى إضاعة الوقت واستنزاف سياسي، داعيًا إلى إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية التفاوضية، والتركيز على تعزيز عناصر القوة الداخلية بدلًا من التعويل على مسار لا يضمن نتائج ملموسة.
بدوره، قال عضو البرلمان عباس مقتدائي، لـ"إرم نيوز"، إن التحولات الأخيرة في سلوك الولايات المتحدة تجاه إيران تعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا لحجم القدرات الدفاعية الإيرانية، وعجز واشنطن عن فرض إرادتها عبر القوة العسكرية.
وأضاف أن ما قدمه عراقجي للبرلمان، من خلال تحليل السلوك الأمريكي، يكشف حقيقة أساسية مفادها أن الولايات المتحدة توصلت إلى قناعة راسخة بقدرة إيران على الدفاع عن نفسها، وبمستوى التماسك الداخلي في البلاد، مشيرًا إلى أن الأمريكيين جرّبوا مختلف أشكال الضغوط والأدوات لإلحاق الضرر بإيران، لكنهم لم يحققوا النتائج التي كانوا يتوقعونها، وفق تعبيره.
وأوضح أن واشنطن باتت تدرك أن إدارة الملفات السياسية عبر التهديد العسكري لم تعد مجدية، وأنها مضطرة للجوء إلى المسار التفاوضي لمعالجة القضايا الفنية، مع محاولتها في الوقت نفسه الحفاظ على صورتها وهيبتها أمام الرأي العام الدولي.
وبيّن مقتدائي أن السلوك الأمريكي الحالي يتسم بطابع استعراضي، سواء من خلال فرض عقوبات إضافية غير فعالة ثبت فشلها سابقًا، أو عبر تعزيز الوجود العسكري في المنطقة واستعراض القوة، مؤكدًا أن هذه التحركات تستهدف بالدرجة الأولى الرأي العام العالمي أكثر مما تحقق نتائج واقعية على الأرض.
وأكد أن المفاوضات محصورة بالملف النووي، مشددًا على أن "البرنامج الصاروخي الإيراني ليس مطروحًا على طاولة التفاوض، ولن يكون جزءًا من أي اتفاق محتمل"، لافتًا إلى أن تخصيب اليورانيوم لن يتوقف أو يُنقل خارج الأراضي الإيرانية.
وأضاف أن وزير الخارجية عباس عراقجي أجرى خلال مفاوضات مسقط "لقاءً مباشرًا قصيرًا مع ممثل الجانب الأمريكي، بناءً على توجيهات سياسية، تم خلاله التأكيد على ثوابت إيران وخطوطها الحمراء".
من جانبه، قال عضو البرلمان عن التيار الإصلاحي، مجيد نصير بور، لـ"إرم نيوز"، إن "عراقجي أبلغ الأمريكيين في مفاوضات مسقط أن طهران لا تنتهج سياسة الحرب، لكنها تمتلك فهمًا دقيقًا لطبيعة الطرف المقابل وقدرته المحدودة على تحمّل مواجهة طويلة الأمد".
وأضاف نصير بور أن "الوفد الإيراني المفاوض أبدى استعداده للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة"، منوهًا بأن "من بين المقترحات التي طرحها الجانب الإيراني تقليل نسبة تخصيب اليورانيوم إلى ما دون 60 %، مقابل رفع العقوبات وإعادة تفعيل دور مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية".
وتابع أن "عراقجي أوضح للنواب أنه طلب من الأمريكيين تقديم ضمانات بعدم تنفيذ أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي على إيران خلال المفاوضات وبعدها، في حال التوصل إلى اتفاق نووي".
وأضاف: "نحن ندرك أن الطرف الآخر هش وقابل للغرق، لكننا لا نبحث عن الحرب، بل نتحرك بإرادة سياسية جادة لحماية مصالح الشعب الإيراني، وفي الوقت نفسه نحن مستعدون لاستخدام جميع الأدوات المتاحة للجمهورية الإسلامية عند الضرورة" وفق تعبيره.
ولفت إلى أن "الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة لم يعد ورقة ضغط، بل تحوّل إلى نقطة ضعف استراتيجية، لأن القوات الأمريكية باتت في مرمى القدرات الإيرانية المباشرة".
وختم بالقول إن هذه المتغيرات تفرض على واشنطن واقعًا جديدًا يدفعها إلى التعامل مع إيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، والسعي إلى حل الخلافات معها عبر التفاوض بدلًا من المواجهة العسكرية.
وبدوره، شدد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، إسماعيل كوثري، على أن أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة لن يكون ملزمًا ما لم يمر عبر القنوات الدستورية داخل إيران.
وقال كوثري إن البرلمان الإيراني لن يسمح بتوقيع أي تفاهم "غامض أو غير مضمون"، مؤكدًا أن تجربة الاتفاق النووي السابق أثبتت أن "الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها كشريك تفاوضي"، مشيرًا إلى أن النواب طالبوا الحكومة بضمان "رفع كامل وفعلي للعقوبات قبل تقديم أي التزامات إضافية".