وسط مؤشرات القوة التقليدية للمملكة المتحدة وموروثها العسكري التاريخي، يبرز اليوم واقع أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وفق كبار الجنرالات والمسؤولين العسكريين.
وكشف تقرير القوة النارية العالمية لعام 2026 (GFP) أن المملكة المتحدة، رغم احتلالها المرتبة الثامنة عالميًا، تواجه "فراغًا دفاعيًا" بسبب تراجع القدرات العسكرية، ونقص الذخائر، وتقلص القوة البشرية، وانخفاض جاهزية الصناعة الدفاعية، بحسب صحيفة "يوراسيان تايمز".
أوضح الجنرال السير نيك كارتر، رئيس الأركان العامة السابق، أن القوات المسلحة البريطانية "جوفاء"، مع قدرة جيش بريطانيا على نشر حوالي 10 آلاف جندي فقط، وسلاح البحرية على نشر 10 سفن قتالية، فيما سلاح الجو الملكي يمتلك 9 أسراب فقط (حوالي 140 طائرة)، أي نحو عُشر ما كان موجودًا في الحرب الباردة؛ كما أشار إلى النقص الحاد في الصواريخ والذخائر.
وأضاف كارتر: "نستورد نحو 40% من غذائنا، و45% من طاقتنا، ونحو 90% من بياناتنا تأتي عبر كابلات تحت سطح البحر؛ ما يجعلنا عرضة لهجمات على البنية التحتية الحيوية والتهديدات السيبرانية".
وتتفاقم المسألة بسبب الاعتماد طويل الأمد على الولايات المتحدة في الاستخبارات، والتكنولوجيا، والردع النووي، بما في ذلك صواريخ ترايدنت.
ومع تغير أولويات واشنطن، يرى الخبراء البريطانيون أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على الدعم الأمريكي وحده.
وأشار المارشال الجوي السير ريتشارد نايتون، رئيس أركان الدفاع الحالي، إلى أن المملكة المتحدة لا تملك نسخة حديثة من "كتاب الحرب الحكومي"، الذي يشمل خطط الانتقال من السلام إلى الحرب على المستوى الوطني، بما يشمل القوات المسلحة والمستشفيات والمدارس والصناعة.
كما أن آخر نسخة استخدمت منذ الحرب العالمية الأولى وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي، ولم تُحدّث منذ ذلك الحين، رغم عودة النزاعات إلى أوروبا.
وبحسب لجنة الدفاع في البرلمان، فإن مراجعة الدفاع الاستراتيجية واستراتيجية الأمن القومي وضعت أهدافًا طموحة لكنها افتقرت لتحديد الأولويات والتوازن بين القدرات، بينما أُشير إلى البطء في تنفيذ الإصلاحات اللازمة للصمود الدفاعي.
تشير التقييمات إلى أن المملكة المتحدة تحتاج إلى "تعزيز الوضع الدفاعي، ومرونتها الصناعية، وقيادتها الاستراتيجية"، بما في ذلك تحديثات سنوية وبرنامج إصلاح عاجل للأمن الداخلي.
في السياق نفسه، يرى الجنرال كارتر أن الهدف يجب أن يكون إنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، مقارنة بالهدف الحالي للحكومة البالغ 3% بحلول عام 2035، لإعادة بناء القدرة العسكرية بشكل واقعي.
كما تواجه المملكة المتحدة تحديًا في تعبئة الشباب، حيث أظهرت استطلاعات أن 38% من الذين تقل أعمارهم عن 40 عامًا سيرفضون الخدمة في حرب عالمية جديدة، و30% سيرفضون حتى في حال غزو وشيك للبلاد.
ويخشى المحللون أن استمرار هذه الثغرات العسكرية والاعتماد المفرط على الولايات المتحدة قد يضع بريطانيا في موقف دفاعي هش وغير قادر على مواجهة التهديدات بشكل مستقل، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الأمن الوطني البريطاني في ظل التغيرات الجيوسياسية الحالية.