تواصل الولايات المتحدة خطتها في إعادة رسم خريطة النفوذ الدولي على نحو يضع روسيا في موقف حرج أمام حلفائها التقليديين، من فنزويلا إلى إيران، في وقت تستثمر فيه مزيجًا من الضغط العسكري والدبلوماسي والاقتصادي لتقويض حضور موسكو في مناطق استراتيجية.
وكشفت العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا عن ضعف الدفاعات الروسية التقليدية، وسرعة انهيار أنظمة الدفاع الجوي، واقتصر رد موسكو على بيانات سياسية محدودة ومكالمات هاتفية، التي أدت إلى فقدان روسيا لجزء مهم من استثماراتها النفطية على مدى عقود.
أما في إيران، فقد اكتفت موسكو بتقديم دعم سياسي محدود، على شكل رسائل ضبط النفس ومباحثات رسمية، مع تزويد طهران ببعض المعدات العسكرية الدفاعية، دون أي استعداد لمواجهة عسكرية واسعة.
ووفقًا للمراقبين، تشير هذه التطورات إلى أن موسكو تضع أولوياتها في أوكرانيا فوق أي التزامات أخرى، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية عبر سياسة براغماتية تجاه الحلفاء المهددين، مع مراعاة احتمالات التفاوض مع الإدارة الأمريكية على صفقة محتملة حول السلام في أوكرانيا.
وعلى وقع هذه التحولات، يبدو أن روسيا تواجه تحديًا مزدوجًا، أولهما فقدان نفوذها التدريجي أمام الولايات المتحدة، وثانيا ضرورة الحفاظ على فرصها في حل النزاع الأوكراني دون خسارة كل أدوات القوة الدبلوماسية والعسكرية المتاحة.
ويرى الخبراء أن المشهد الدولي يعكس تراجعا تدريجيا في قدرة روسيا على حماية حلفائها التقليديين، من فنزويلا إلى إيران، في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية متعددة المسارات.
وأضاف الخبراء أن موسكو تكتفي في بعض الملفات، مثل الحالة الفنزويلية، بالدعم السياسي والإعلامي دون ترجمة ذلك إلى تحركات ميدانية فاعلة، ما يضعف حضورها ويكشف حدود قدرتها على المواجهة.
وأشار الخبراء إلى أن الموقف الروسي يبدو أكثر حذرًا في الحالة الإيرانية، حيث يقتصر الدعم على الرسائل السياسية والدعوات إلى ضبط النفس، مع تمسك موسكو بمقاربة براغماتية تضع المصالح فوق التحالفات، دون استعداد للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
من جانبه، أكد الأستاذ بكلية الاستشراق بالمدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، رامي القليوبي، ضرورة التمييز بين حالتي فنزويلا وإيران عند قراءة الموقف الروسي من الأزمات الدولية، مشيرًا إلى أن لكل حالة سياقها السياسي والاستراتيجي المختلف.
وأشار القليوبي، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن روسيا اكتفت في الحالة الفنزويلية بمواقف داعمة على المستوى السياسي والإعلامي، تمثلت في التنديد والانتقاد، دون الانخراط في أي خطوات عملية أو تحركات ميدانية مؤثرة، مؤكدًا أن موسكو لم تذهب أبعد من هذا الإطار رغم تعقيد الأزمة.
وأوضح أن المشهد يختلف في الحالة الإيرانية، فقد صدرت تصريحات رسمية روسية تدعو إلى ضبط النفس، لافتًا إلى استقبال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، للسفير الإيراني لدى موسكو خطوة تعكس رسائل دعم سياسي واضحة لطهران.
وبين القليوبي أن هذا الدعم يرتبط بإدراك روسي مفاده أن انهيار النظام الإيراني سيعني خسارة جزء مهم من النفوذ الروسي في المنطقة، إلى جانب تهديد عدد من المشاريع الاستراتيجية المشتركة، التي قد تتحول إلى نزاعات قانونية، من بينها مشروع النقل الدولي "شمال-جنوب".
وشدد القليوبي على أن هذا الدعم السياسي لا يعني استعداد روسيا للانخراط في مواجهة عسكرية للدفاع عن إيران، موضحًا أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين لا تتضمن أي بند يتعلق بالدفاع المشترك.
وأضاف أن موسكو تتعامل ببراغماتية، وتسعى للحفاظ على مصالحها، بما في ذلك الاستعداد لبناء علاقات مع أي سلطة جديدة قد تصل إلى الحكم، شريطة الحفاظ على الحد الأدنى من المصالح المرتبطة بالنظام القائم.
بدوره، أكد أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور حامد فارس، أن الولايات المتحدة تعمل بشكل واضح على تقويض النفوذ الروسي في عدد من مناطق العالم، سواء في أمريكا اللاتينية، خاصة في دول مثل فنزويلا وكوبا والبرازيل، فضلًا عن سعيها المستمر لإسقاط النظام في إيران.
ووأضاف فارس، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن التحركات الأمريكية تنطلق من رؤية استراتيجية تسعى من خلالها واشنطن إلى فرض نفسها قوة مهيمنة عالميًا، تتحكم في مفاصل النظام الدولي سياسيًا واقتصاديًا، دون السماح بوجود قوى منافسة قادرة على موازنة هذا النفوذ.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تستغل بؤر التوتر والصراعات الإقليمية لإضعاف الدورين الروسي والصيني في المناطق الاستراتيجية، ومنع تمددهما أو تعزيز حضورهما الدولي.
وأضاف فارس أن السعي الأمريكي لإسقاط النظام في إيران يندرج ضمن هذه الاستراتيجية الأوسع، التي تستهدف إضعاف روسيا وتقليص نفوذ حلفائها الاستراتيجيين، بما يسهم في إعادة تشكيل موازين القوى الدولية على نحو يعيد تكريس الأحادية القطبية ويخدم المصالح الأمريكية.