أجبر تطوران بارزان السياسة الأمريكية تجاه ليبيا على سلوك مسار تحولي تدريجي؛ فبعد فترة بدت فيها واشنطن منكفئة عن الملف الليبي، دفعها تنامي التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا إلى مراجعة حساباتها بدقة.
ويخلق الانقسام السياسي الداخلي، بالتوازي مع موقع ليبيا الجيوسياسي الذي يربط البحر المتوسط بمنطقة الساحل الأفريقي، مشهداً معقداً تتداخل فيه ملفات الطاقة والأمن والهجرة.
هذا المزيج من العوامل جعل من ليبيا مغناطيساً لطموحات القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوروبا، اللتان تنظران إلى البلاد كخزان حيوي للنفط والغاز، ونقطة ارتكاز أمنية لا يمكن التفريط بها.
ومنذ عام 2019 توسع الحضور الروسي والصيني في السوق الليبية ومجالات الاستثمار، حيث تعيد موسكو وبكين بناء تواجدهما الاقتصادي خاصة من خلال شراكات استراتيجية محلية في مختلف أنحاء البلد مستهدفةً فرص الاستثمار في طرابلس وبرقة على حد سواء.
لكن هذا التوسع من "المعسكر الشرقي" ردت عليه الولايات المتحدة بنهج شامل ومتكامل يجمع بين الدبلوماسية والمشاركة العسكرية والاستثمار الاقتصادي لحماية المصالح الغربية مع تعزيز الاستقرار الليبي.
ولفت الباحث السياسي منير السحايري إلى تطورين في اتجاه تصاعدي يحملان دلالة في إعادة انخراط الولايات المتحدة في ليبيا. فقد أقدمت على التنسيق مع شركاء إقليميين ودوليين لتوحيد السياسات وتجنب الصدامات مع الجهات الليبية الفاعلة.
واستكمالاً لزيارة سفينة البحرية الأمريكية إلى ليبيا في أبريل/ نيسان وهي الأولى منذ 50 عاماً، زار نائب قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم" طرابلس وسرت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وعدّت دعوة ليبيا للمشاركة في مناورات "فلينتلوك" بمثابة إشارة مقصودة، حيث يشير الباحث السياسي الليبي في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى مساعي الحكومة الأمريكية بضم هذا البلد إلى شبكة أمنية غربية أوسع، بدلاً من ترك الساحة لدول أخرى ذات نفوذ أقوى، على غرار الصين وروسيا.
وانتهى هذا المسار في مطلع ديسمبر/ كانون الأول، عندما التقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة قائد أفريكوم لتوسيع التعاون في مجالات التدريب والتجهيز ورفع كفاءة القوات. وقد طلبت حكومة الوحدة دعماً أمريكياً أعمق لرفع كفاءة قوات الأمن الليبية.
أما التحول الثاني فيتعلق بقطاع الطاقة الليبي؛ إذ أتاح الجمود السياسي واستقرار إنتاج النفط مساحة أمريكية للتأثير الخارجي. فقد سافر المبعوث الأمريكي الخاص لأفريقيا والشؤون العربية، مسعد بولس، إلى طرابلس وبنغازي في يوليو/ تموز، تلتها زيارة وفد من حكومة الوحدة الوطنية إلى واشنطن في أغسطس/ آب. وأشارت هذه الزيارة إلى نية حكومة الوحدة الوطنية إعادة ترسيخ علاقاتها مع الأطراف الغربية الفاعلة في ليبيا.
في المقابل، يلفت المتحدث السابق باسم رئيس المجلس الرئاسي محمد السلاك إلى ميل الولايات المتحدة لدعم منظومة مصالحها في المنطقة، ولا سيما ليبيا عبر صفقات تجارية وتأمين المنطقة الجنوبية، وهي منفذ الهجرة غير النظامية والجماعات الإرهابية ومتاخمة لدول أفريقية يتمدد بها النفوذ الروسي، وبالتالي لا يبدو أنها تدعم خيارا استراتيجيا واضحا لماهية حل مستدام في البلاد.
كما يشير إلى عدم قدرة البعثة الأممية على الحسم وتسريع وتيرة الحوار المهيكل للوصول إلى التسوية المنشودة التي تقود إلى انتخابات.
وتعمل واشنطن تحت رئاسة دونالد ترامب في عهدته الثانية على الحفاظ على توازن وظيفي بين السلطات الليبية في شرق وغربي البلاد بهدف تأمين تدفق موارد الطاقة وتحقيق الأمن.
وتعكس تصريحات المستشار الخاص لدونالد ترامب لشؤون أفريقيا مسعد بولس، في مقابلة مع جريدة "لوموند" الفرنسية هذه المقاربة حين أكد رغبة واشنطن في مساعدات أقل وتجارة أكثر، حيث ترتكز السياسة الأمريكية على 3 ركائز، أولها إحلال السلام في جميع مناطق النزاع، وخاصة في ليبيا ومنطقة البحيرات الكبرى ومنطقة الساحل.
أما الركيزة الثانية فهي الشراكات، وتتمثل سياسة الرئيس ترامب في بناء شراكات مربحة لجميع الأطراف وتتلخص الفكرة في تشجيع المستثمرين والشركات الأمريكية على الاستثمار في الدول الأفريقية، بدعم كامل من حكومة الولايات المتحدة ومؤسساتها. وأخيرا، الركيزة الثالثة هي تحقيق الرخاء، النابع من السلام والشراكات.