في ظل تآكل قواعد النظام العالمي وتصاعد منطق القوة، تتحرك روسيا لإعادة صياغة موقعها على الخريطة الدولية، ليس بوصفها طرفًا محاصرًا أو قوة معزولة، بل باعتبارها فاعلًا يسعى إلى فرض حضوره في إدارة النزاعات الكبرى وصياغة موازين نفوذ جديدة.
وفي قلب هذه الاستراتيجية تظل الحرب في أوكرانيا المحور الأكثر حساسية، خاصة أنه بعد مرور سنوات على اندلاعها، دخل الصراع مرحلة استنزاف متبادل بدلًا من الحسم السريع.
وتشير التقديرات إلى أن روسيا لم تحقق تقدمًا ميدانيًا واسعًا، لكنها في المقابل نجحت في فرض واقع صراع طويل المدى، يجعل من موسكو طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
ولا تتعلق الرهانات الروسية فقط بالجغرافيا، بل بإعادة تثبيت نفسها كقوة قادرة على تحدي الإرادة الغربية وفرض شروطها عبر الزمن، لا عبر الضربة القاضية.
بالتوازي، كثفت موسكو تحركاتها في القارة الأفريقية، مستفيدة من تراجع النفوذ الغربي وحالة السخط لدى عدد من العواصم الأفريقية.
وشهد العام 2025 نشاطًا دبلوماسيًا لافتًا تجسّد في مؤتمرات شراكة، وتوسع التمثيل الدبلوماسي، وتوقيع اتفاقات تعاون دفاعي مع دول الساحل.
وفي الشرق الأوسط، رغم التحديات التي فرضتها التحولات في سوريا، حافظت روسيا على موطئ قدم مؤثر. المنطقة اكتسبت أهمية إضافية بعد الحرب في أوكرانيا، باعتبارها ساحة توازن ومجال مناورة سياسي واقتصادي.
وعلى المستوى الدولي الأوسع، تراهن روسيا بقوة على تكتل بريكس كمنصة لإعادة تشكيل النظام العالمي، خاصة وأنها لا تزال تقدم نفسها كأحد مهندسي هذا الإطار، وتسوقه كبديل غير غربي وليس بالضرورة معادٍ للغرب.
ويرى الخبراء أن روسيا نجحت خلال السنوات الأخيرة في إعادة بناء صورتها الدولية كلاعب رئيسي في النظام العالمي، مستندة إلى مزيج من الأدوات السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، ما سمح لها بفرض حضورها في إدارة النزاعات الكبرى.
وأكد كامل حواش، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن روسيا لا تزال تحتفظ بثقل مؤثر داخل النظام الدولي رغم العقوبات والضغوط الغربية، خاصة أن عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وامتلاكها حق النقض يمنحانها قدرة مستمرة على التأثير في مسارات القرار الدولي.
وقال حواش لـ"إرم نيوز" إن موسكو لم تكتف بدورها داخل المؤسسات الدولية، بل اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع شراكاتها الخارجية، عبر تعميق علاقاتها مع الصين والهند ودول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مقدمة نفسها كشريك بديل للدول الساعية إلى تقليص اعتمادها على الغرب.
وأشار إلى أن توسع تكتل البريكس يمثل أحد أبرز أدوات هذا التوجه، سواء من حيث عدد الأعضاء أو الوزن الاقتصادي والسياسي، بما يعزز خطاب روسيا الداعي إلى عالم متعدد الأقطاب ونظام دولي أكثر توازنًا.
وأضاف المحلل السياسي أن موسكو اعتمدت على مزيج من القوة العسكرية والدبلوماسية لترسيخ حضورها، مستشهدًا بتدخلها في سوريا الذي أعاد تثبيتها كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط.
ولفت الخبير في الشؤون الروسية إلى أن موسكو عززت نفوذها كذلك عبر موقعها كقوة طاقة كبرى، موضحًا أن الحرب في أوكرانيا كشفت حجم التأثير الروسي على أسواق النفط والغاز، خاصة في أوروبا التي واجهت كلفة اقتصادية مرتفعة للبحث عن بدائل.
وأكد أن موسكو إلى جانب أدواتها العسكرية استخدمت وساطات دبلوماسية وشراكات أمنية غير تقليدية، خصوصًا في أفريقيا، بما سمح لها بتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في مناطق متعددة.
من جانبه، قال سمير أيوب، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إن روسيا ورثت إرثًا ثقيلًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إذ دخلت مرحلة ضعف سياسي واقتصادي وعسكري، وفقدت السيطرة على عدد كبير من الجمهوريات السابقة، في وقت فشلت محاولات دمجها كشريك تابع للغرب.
وتابع أيوب في حديثه لـ"إرم نيوز" أن النهج الذي اتبعته القيادة الروسية في تسعينيات القرن الماضي لم يحقق نتائج، بل دفع الولايات المتحدة إلى التعامل مع موسكو كدولة هامشية، وهو ما تغير مع وصول الرئيس فلاديمير بوتين الذي أعاد توحيد مؤسسات الدولة وبدأ عملية استعادة النفوذ.
وأشار إلى أن الهيمنة الأمريكية على إدارة الأزمات الدولية، خاصةً بعد العراق وأفغانستان، دفعت روسيا إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، مؤكّدًا أن موسكو نجحت في استعادة موقعها كدولة قوية تمتلك جيشًا متطورًا ونفوذًا واسعًا وثروات طبيعية ضخمة.
وأضاف المحلل السياسي أن هذه المقومات مكنت روسيا من بناء علاقات استراتيجية متينة مع الصين، وتعزيز دور البريكس كإطار دولي بديل، إلى جانب إحياء التعاون مع بعض الجمهوريات السوفيتية السابقة ضمن أطر أمنية واقتصادية مشتركة.
وأكد أيوب أن صمود موسكو في مواجهة عشرات الدول الغربية أثبت أنها قوة لا يمكن كسرها، لافتًا إلى أن النفوذ الروسي لم يقتصر على أوروبا الشرقية، بل امتد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، في إطار سعي واضح لترسيخ نظام عالمي متعدد الأقطاب يحد من التفرد الأمريكي، وفق تعبيره.