تعيش العلاقات بين إيران والولايات المتحدة حالة من الجمود الحرج، الذي يوصف بأنه "لا حرب لا سلام"، في ظل تعثر خطط استئناف محادثات السلام بين الجانبين.
ويبدو أن كل طرف يراهن على قدرته على الصمود الاقتصادي والسياسي لفترة أطول من الآخر، في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة باستمرار هذا الوضع دون اتفاق، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
ويرى محللون أن المسؤولين الإيرانيين يبدون ثقة نسبية في قدرتهم على تحمل التداعيات الاقتصادية لفترة أطول من إدارة الرئيس دونالد ترامب، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بالقلق من البقاء في حالة تهديد مستمر بهجمات أمريكية أو إسرائيلية في ظل غياب أي تقدم دبلوماسي.
وقال ساسان كريمي، نائب رئيس الحكومة الإيرانية السابقة وأستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، في إشارة إلى الحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو الماضي: "ما يحدث يشبه ما حدث في نهاية حرب الـ12 يومًا، إنهاء الحرب دون أي استدامة حقيقية".
كما وصفت صحيفة "خراسان" الإيرانية المحافظة، في مقال أعادت عدة وسائل إعلام إيرانية نشره، الوضع الحالي بأنه "حالة من الترقب الاستراتيجي" تنطوي على مخاطر كبيرة.
وأضافت: "تراجع كلا الجانبين عن تكاليف الحرب الشاملة، لكنهما لم يتجاوزا منطق القوة والضغط"، معتبرة أن "هذا قد يكون أخطر من حرب قصيرة الأمد".
تأتي هذه التطورات في ظل تعثر جهود إعادة إطلاق محادثات وقف إطلاق النار التي تتوسط فيها باكستان، بعد توقف القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيران ضمن هدنة تم التوصل إليها في وقت سابق من الشهر الجاري، حيث أعلن كل طرف تحقيق النصر.
ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعتقد أن بلاده قادرة على تحمل التداعيات الاقتصادية، خصوصًا المرتبطة بالحصار غير المباشر على مضيق هرمز. وفي المقابل، لا يُبدي أي من الطرفين استعدادًا لتقديم تنازلات كافية لاستئناف المفاوضات.
وفي هذا السياق، ألغى ترامب يوم السبت إرسال مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر إلى إسلام آباد لعقد جولة ثانية من محادثات الهدنة، مؤكدًا أن الجانب الإيراني "يضيع وقت المفاوضات".
في المقابل، تصر طهران على عدم الدخول في مفاوضات مباشرة قبل رفع القيود البحرية الأمريكية المفروضة على الموانئ الإيرانية بعد وقف إطلاق النار.
رغم الجمود، واصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحركاته الدبلوماسية، حيث توجه يوم السبت إلى سلطنة عُمان لحضور اجتماعات، بعد زيارته لباكستان في اليوم السابق، ثم عاد مجددًا إلى باكستان يوم الأحد.
ومن المتوقع أن يتوجه لاحقًا إلى روسيا خلال الأسبوع، وفق وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، بعد اجتماع ثانٍ مع مسؤولين باكستانيين.
وترى إيران أن التنسيق مع سلطنة عُمان، الواقعة على الخليج العربي والمطلة على مضيق هرمز، عنصر أساسي في أي تسوية محتملة، إلى جانب دور باكستان في الوساطة واستضافة جولات محادثات مستقبلية.
في المقابل، يحث بعض المسؤولين السابقين في إيران، مثل ساسان كريمي، القيادة الحالية على استغلال اللحظة لوضع إطار شامل لاتفاق مع واشنطن، يبدأ بتنازلات متبادلة وصولًا إلى تصور لاتفاق سلام إقليمي.
لكنه حذر من أن "الوضع الراهن هو الخيار الأكثر تحفظًا سياسيًا، لأن أي تغيير قد يؤدي إلى تحميل المسؤولية في حال الفشل".
ويرى محللون اقتصاديون أن إيران تعتقد أنها تستطيع الانتظار حتى انتهاء ولاية ترامب، مستفيدة من أن اضطرابات مضيق هرمز قد تكون أكثر كلفة على واشنطن من طهران على المدى القصير. وقال إسفنديار باتمانغليج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "بورصة وبازار" البحثية في لندن، إن هذا الرهان يظل جزءًا من الحسابات الإيرانية.
لكن رغم هذا التقدير السياسي، تواجه إيران أزمة اقتصادية متفاقمة. إذ تتزايد تقارير تسريح العمال في البلاد، وسط تراجع في إنتاج الصناعات البتروكيماوية والدوائية نتيجة تداعيات الحرب.
وتشير صحيفة "دنيا اقتصاد"، وهي من أبرز الصحف الاقتصادية في إيران، إلى أن معدل التضخم السنوي قد يصل إلى 49% في "السيناريو الأكثر تفاؤلًا" إذا تم التوصل إلى اتفاق، بينما قد يدفع سيناريو "لا حرب ولا سلام" التضخم إلى نحو 70% خلال الأشهر المقبلة، في حين أن العودة إلى الحرب قد تؤدي إلى تضخم مفرط يتجاوز 120%.
ورغم ذلك، يقدّر بعض الاقتصاديين أن النظام الإيراني قادر على الصمود في مواجهة الأزمة الحالية لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، رغم الضغوط المتزايدة.
على الجانب الآخر، يرى باتمانغليج أن اضطراب إنتاج النفط وصادرات الأسمدة قد يؤدي إلى صدمات اقتصادية عالمية خلال أسابيع قليلة، وهو ما قد يدفع إدارة ترامب إلى إعادة النظر في خيار المفاوضات.
ومع ذلك، يؤكد أن المعضلة الاستراتيجية لإيران ستظل قائمة حتى في حال تجاوز الأزمة الاقتصادية، مضيفًا: "وضع اللا حرب ولا سلام يجعل إيران في موقف هش للغاية".
في تعليق آخر، قال كريمي إن استمرار الوضع الحالي دون اتفاق واضح "قد يكون أخطر من الحرب نفسها"، مشيرًا إلى أن غياب الاستقرار يخلق حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي على المدى الطويل.
كما أشار تقرير الصحيفة الإيرانية إلى أن الطرفين "لم يتجاوزا منطق القوة والضغط"، وهو ما يعمّق حالة الجمود السياسي.
في سياق متصل، عكست التحركات الدبلوماسية المستمرة بين إيران وكل من باكستان وسلطنة عُمان وروسيا وجود مساعٍ غير مباشرة لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، رغم توقف المفاوضات المباشرة.
وتظل مسألة مضيق هرمز محورًا رئيسيًا في التوترات، نظرًا لأهميته الاستراتيجية في تجارة النفط العالمية، وما يترتب على أي اضطراب فيه من تداعيات واسعة على الأسواق الدولية
وفي ظل هذا الجمود، يحذر محللون من أن استمرار الوضع الحالي قد يضع الاقتصاد العالمي أمام موجة جديدة من الاضطراب، خصوصًا في أسواق الطاقة، بينما يظل مستقبل المفاوضات غير واضح في غياب أي اختراق دبلوماسي حقيقي.
وفي الوقت نفسه، يستمر كل من واشنطن وطهران في إدارة الأزمة عبر حسابات دقيقة للمكاسب والخسائر، دون أن يبدو أن أي طرف مستعد حتى الآن لتقديم تنازلات حاسمة قد تفتح الطريق أمام اتفاق دائم.