تتجه المواجهة المتصاعدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران إلى تجاوز كونها مجرد صدمة اقتصادية، لتتحول تدريجياً إلى أزمة سياسية عميقة داخل أوروبا، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي؛ وهو ما يضع الحكومات الأوروبية أمام تحديات متزايدة مع محدودية الأدوات المتاحة للتعامل مع التداعيات.
وتتزايد في بروكسل، المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى زعزعة استقرار التيار السياسي الرئيس داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية على الحكومات التي تعاني أصلاً من أوضاع مالية هشة؛ الأمر الذي قد يفتح الباب أمام صعود التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة في عدة دول أوروبية.
تؤدي الارتفاعات المتواصلة في أسعار الطاقة إلى تأثيرات مباشرة على تكاليف المعيشة، بما يشمل الغذاء والنقل والإسكان؛ وهو ما يضغط بشدة على الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بحسب "بولتيكو".
ومع اتساع هذا الضغط، تتزايد حالة السخط الشعبي وتتراجع الثقة في الحكومات الوطنية والمؤسسات الأوروبية على حد سواء.
ويحذر مسؤولون أوروبيون من أن هذا الوضع قد يعزز التوجه نحو السياسات الانعزالية والحمائية، في وقت تواجه فيه حكومات عدة اختبارات انتخابية حاسمة، أبرزها في فرنسا، حيث قد تستفيد الأحزاب اليمينية المتطرفة من هذا المناخ لتحقيق مكاسب سياسية كبيرة.
تتفاقم الأزمة الاقتصادية في أوروبا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل؛ ما يضع الاقتصاد الأوروبي أمام سيناريو "الركود التضخمي"، حيث يتزامن ضعف النمو مع ارتفاع معدلات التضخم.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الأزمة لم تعد مؤقتة، بل مرشحة لترك آثار طويلة الأمد على الاقتصاد الأوروبي؛ وهو ما دفع عدداً من الدول الكبرى مثل ألمانيا وإيطاليا إلى خفض توقعاتها للنمو خلال العام الجاري، وسط توقعات بمراجعات أوسع للتقديرات الاقتصادية في الفترة المقبلة.
في مواجهة الأزمة، تبحث دول الاتحاد الأوروبي عن سبل للتخفيف من التداعيات دون التسبب في تفاقم أزمة الديون، خاصة مع استمرار الأعباء المالية الناتجة عن جائحة كوفيد-19 وأزمة الطاقة السابقة.
وتشمل المقترحات المطروحة إجراءات مثل خفض الضرائب على الطاقة، وتقديم دعم موجه للأسر الأكثر تضرراً، والاستثمار في البنية التحتية للطاقة؛ إلا أن هذه التدابير تصطدم بواقع مالي صعب، حيث لم يعد لدى العديد من الدول الأوروبية هامش واسع للإنفاق.
كما أعادت الأزمة إحياء الخلافات التقليدية داخل الاتحاد بين دول الشمال الداعية لضبط الإنفاق، ودول الجنوب التي تطالب بمزيد من الدعم المالي، في وقت تلوح فيه تحديات إضافية مع اقتراب بدء سداد الديون المشتركة للاتحاد الأوروبي اعتباراً من عام 2028.
في المحصلة، تبدو أوروبا أمام اختبار معقد، حيث تتداخل الضغوط الاقتصادية مع التحديات السياسية؛ ما يهدد بإعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي في القارة خلال الفترة المقبلة.