وصف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أوكرانيا بأنها "عدو" لبلاده، في تصريحات ألقاها خلال تجمع انتخابي بمدينة سومباتهيلي غرب المجر، وذلك في تصعيد لافت للتوترات الأوروبية حول الحرب الأوكرانية.
هذا الخطاب الحاد، الذي يأتي قبل شهرين من انتخابات تشريعية حاسمة، يكشف عن استراتيجية محسوبة لتحويل العداء لأوكرانيا إلى رأسمال انتخابي، بينما يواصل أوربان مواجهته مع بروكسل ودعمه الثابت لموسكو.
في خطابه الأخير، اتهم أوربان كييف بتهديد الأمن القومي للمجر من خلال ممارسة ضغوط مستمرة على بروكسل لإجبار بودابست على قطع إمداداتها من النفط والغاز الروسي الرخيص. وقال بوضوح: "أي شخص يطالب بهذا النوع من الإجراءات هو عدو لنا. أوكرانيا عدونا"، وفقاً لتقارير صحفية بلجيكية وفرنسية.
وحذر الزعيم المجري من أن الاستجابة لمطالب كييف ستؤدي إلى ارتفاع كارثي في فواتير الكهرباء والغاز والتدفئة للأسر الهنغارية، واصفاً ذلك بأنه وضع "غير مقبول اجتماعياً وسياسياً". كما أكد معارضته الصريحة لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، محذراً من أن "المجريين يجب ألا يرغبوا في التعاون عسكرياً أو اقتصادياً مع الأوكرانيين، لأنهم يجروننا إلى الحرب".
يأتي هذا التصعيد بعد أسابيع من إعلان المجلس الأوروبي خريطة طريق لإنهاء واردات الغاز الروسي بحلول نهاية 2027، وهو ما تعتبره بودابست "انتحاراً اقتصادياً"، كما ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية. فعلى عكس معظم الدول الأوروبية، لم تبذل المجر جهوداً جدية لتنويع مصادر طاقتها، وتواصل الاعتماد الكبير على النفط والغاز الروسي عبر خط أنابيب "دروجبا" (الصداقة بالروسية).
كما أعلنت الحكومة المجرية عزمها رفع دعوى قضائية ضد الاتحاد الأوروبي بشأن مشروع حظر واردات الطاقة الروسية. وفي الوقت نفسه، تدرس المفوضية الأوروبية حزمة عقوبات عشرينية جديدة تتضمن اقتراحاً بحظر الخدمات البحرية المرتبطة بالنفط الروسي.
وكانت التوترات قد بلغت ذروة سابقة في أغسطس 2025 عندما قصفت وحدة طائرات بدون طيار أوكرانية خط أنابيب نفط يمد المجر وسلوفاكيا بالنفط الروسي، مما أدى إلى حرمان بودابست من الإمدادات لمدة أسبوع، حسبما نقلت "لوموند". رد أوربان حينها بحظر دخول قائد الوحدة، روبرت بروفدي، من أصول مجرية، إلى أراضي بلاده، ووصف الهجوم بأنه "خطير للغاية" يهدد "الأمن والسيادة الطاقية للمجر".
مع اقتراب الانتخابات التشريعية في أبريل 2026، التي يواجه فيها أوربان أصعب تحدٍ انتخابي منذ توليه السلطة عام 2010، حول الزعيم المجري العداء لأوكرانيا إلى محور حملته. فاستطلاعات الرأي المنشورة منذ بداية العام تمنح حزب "تيزا" بزعامة المعارض بيتر ماغيار تقدماً يصل أحياناً إلى 14 نقطة على حزب "فيديس" الحاكم، وفقاً لموقع "توت لوروب" الفرنسي.
في كل أنحاء البلاد، نُشرت لافتات ضخمة تصور رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وماغيار وهم يلقون حزماً من الأموال في مرحاض ذهبي، مع شعار: "بيتر ماغيار سيرفع الضرائب لإرسال أموالنا إلى أوكرانيا"، حسبما أفادت "لوموند".
وفي 16 يناير الماضي، أعلن أوربان عن إطلاق "عريضة وطنية" لحشد الدعم الشعبي ضد أي مساعدات مالية أوروبية لكييف، واصفاً الانتخابات المقبلة بأنها خيار بين "الحرب والسلام"، وقال في إذاعة الدولة: "الجميع سيتلقى هذه العريضة الوطنية وسيكون لديه فرصة ليقول 'لا'، وليقول مع الحكومة إننا لن ندفع".
وفي أبريل 2025، كان أوربان قد أطلق استشارة شعبية واسعة ضد انضمام أوكرانيا للاتحاد، مستغلاً رفض أغلبية المجر لهذه الخطوة. ووفقاً لاستطلاع أجرته Policy Solutions وZavecz Research ، ففي 2023 كان 57% من المجريين يؤيدون المساعدات المالية الأوروبية لأوكرانيا و41% يعارضونها، لكن بحلول ديسمبر 2025 انعكست النسبة تماماً: 36% فقط يؤيدون المساعدات مقابل 63% يعارضونها.
استراتيجية أوربان لا تقتصر على الجبهة الداخلية. فهو يراهن بشكل كبير على إدارة دونالد ترامب لتعزيز موقفه في مواجهة بروكسل. في 7 نوفمبر 2025، حصل على إعفاء أمريكي من العقوبات على النفط الروسي لمدة عام، مما منحه "دفعة انتخابية هائلة"، حسب تعبير "لوموند" التي وصفته بـ"هدية انتخابية ضخمة".
كما أعلن أوربان دعمه الكامل لخطة ترامب المثيرة للجدل لإنهاء الحرب الأوكرانية، والتي تتضمن تنازل كييف عن أراضٍ لموسكو. وفي رسالة كشف عنها موقع "بوليتيكو"، طالب فون دير لاين بأن يدعم الأوروبيون "فوراً ودون شروط مبادرة السلام الأمريكية"، وأن يفتحوا "مفاوضات مستقلة ومباشرة مع روسيا"، وفقاً لتقارير صحفية فرنسية نُشرت في 24 نوفمبر 2025.
وفي 28 نوفمبر 2025، التقى بوتين في موسكو للمرة الخامسة عشرة خلال 15 عاماً لضمان إمدادات الطاقة، حسبما ذكرت صحيفة "ويست فرانس"، وكشف موقع "ماديار نيمزيت" أن هدف المحادثات كان "ضمان إمداد الطاقة للمجر" و"تجنب أزمة طاقة وارتفاع الأسعار بسبب الحرب والعقوبات".
والأبعد من ذلك، أعلن أوربان عزمه إرسال رجال أعمال مجريين إلى روسيا "للتحضير لما بعد الحرب"، حسبما نقلت "ليبراسيون"، آملاً في أن تستحوذ شركة النفط والغاز المجرية MOL على مصافي ومحطات وقود تملكها مجموعتان روسيتان مقيدتان بالعقوبات الأمريكية.
رغم كل هذه المناورات، يجد أوربان نفسه معزولاً بشكل متزايد في أوروبا؛ فحسب "لوموند"، معظم القادة الأوروبيين باتوا يتجنبون الحديث معه في اجتماعات القمة، بل إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي "تعامل معه بلطف لفترة طويلة لأسباب يصعب فهمها"، لم يتناول العشاء معه قبل قمة المجلس الأوروبي الأخيرة.
وحتى حلفاؤه التقليديون يحافظون على مسافة. فرئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش، رغم أن حزبه حليف لـ"فيديس" في البرلمان الأوروبي، يبقي مسافته. أما الرئيس البولندي الجديد كارول ناوروتسكي فقد ألغى لقاءً كان مقرراً مع أوربان بعد زيارته الأخيرة لموسكو.
ورغم هذه العزلة، يبدو أن استراتيجية أوربان في استخدام العداء لأوكرانيا كسلاح انتخابي بدأت تؤتي ثمارها. فبعد أن كان متأخراً في الاستطلاعات بفارق كبير، أظهرت استطلاعات منذ نوفمبر أن الفجوة تضيق بينه وبين منافسه ماغيار، مما يشير إلى أن خطاب "السلام مقابل الحرب" و"العدو الأوكراني" يلقى صدى لدى شريحة واسعة من الناخبين.