logo
العالم

بيتر ماغيار.. من قلب نظام أوربان إلى أخطر منافسيه في المجر

المعارض المجري بيتر ماغيارالمصدر: رويترز

في مشهد سياسي يبدو راكدًا، يبرز بيتر ماغيار كظاهرة استثنائية في المجر، رياضي القوام، يتمتع بجاذبية شخصية وطاقته الشبابية، لكنه أكثر من مجرد صورة جميلة على وسائل الإعلام، فهو سياسي خرج من قلب النظام نفسه الذي يسعى الآن لمحاسبته. 

مؤسس حزب "تيزا"، يركز ماغيار على ملفات الفساد والاقتصاد والتضخم، مستفيدًا من خبرته الطويلة داخل منظومة رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، ليصبح أخطر منافس يواجه رئيس الوزراء منذ 16 عامًا، مع وعد بإعادة الأمل للناخبين المجريين في انتخابات أبريل 2026.

الخائن أم المنشق الشجاع؟

لم يكن ماغيار دائمًا في صفوف المعارضة، بل على العكس تمامًا، فقد كان جزءًا لا يتجزأ من منظومة فيكتور أوربان لسنوات طويلة، عمل مسؤولًا عن التشريعات الأوروبية في وزارة الخارجية المجرية، ثم رئيسًا لقسم القانون الأوروبي في بنك التنمية المجري، وعضوًا في مجلس إدارة شركة البنية التحتية للطرق العامة، ووصل إلى منصب الرئيس التنفيذي لمركز القروض الطلابية حتى عام 2022. هذا التاريخ العميق داخل قلب النظام هو سلاحه الأقوى اليوم.

ويقول الباحث السياسي بالينت مادلوفيتش: "الناس يرونه كشخص يعرف ما يحدث من الداخل". لقد عمل طويلًا في صميم النظام الذي يندد به الآن، وهذا ما يجعل اتهاماته بالفساد والمحسوبية أكثر مصداقية من أي معارض خارجي.

فضيحة العفو.. نقطة التحول

لم تكن رحلة ماغيار من الموالاة إلى المعارضة خطوة محسوبة مسبقًا، بل جاءت في سياق دراما عائلية وسياسية معقدة، في فبراير 2024، اهتزت المجر بفضيحة مدوية: اكتشف المجريون أن رئيسة البلاد كاتالين نوفاك ووزيرة العدل يوديت فارغا (التي كانت زوجة ماغيار آنذاك) قد منحتا عفوًا رئاسيًا سريًا لمسؤول في دار أيتام أدين بالتستر على جرائم تحرش جنسي بالأطفال.

استقالت الامرأتان، لكن ماغيار لم يصمت، خرج للعلن واتهم حزب فيديس بمنح العفو خلسة بسبب قرب المدان من الحزب الحاكم، بعد شهر واحد من الفضيحة، نجح في حشد 130 ألف شخص في بودابست في تظاهرة ضد "الأوليغارشية التي تدمر البلاد" و"شركة السلطة"، كما يسميها.

الدراما العائلية لم تنته هنا، حيث انفصل ماغيار عن زوجته التي بقيت موالية لأوربان واتهمته بالعنف الجسدي والنفسي، وهو ما ينفيه بشدة، حتى إنه نشر تسجيلات صوتية لفارغا وهي تشتكي من ضغوط مكتب أوربان للتدخل في قضية فساد، وبعد فتر يصبح الزوج السابق لوزيرة العدل أخطر منافس لرئيس الوزراء.

استراتيجية الصمت الذكية

ما يميز ماغيار عن غيره من معارضي أوربان هو ذكاؤه في اختيار معاركه، فهو يتجنب بعناية الوقوع في الفخاخ التي أعدها أوربان للمعارضة طيلة سنوات، لا يتحدث عن حقوق المثليين، ولا يتخذ موقفًا واضحًا من الحرب الأوكرانية، ويتفادى القضايا الاجتماعية المثيرة للجدل التي استخدمها أوربان لشيطنة المعارضة اليسارية.

وبدلًا من ذلك، يركز ماغيار على ثلاثة ملفات لا يمكن لأوربان الدفاع عنها بسهولة: الفساد، والركود والاقتصادي، والتضخم. يذكّر الناخبين بأن التضخم في المجر – خاصة ارتفاع أسعار المواد الغذائية – لا يزال من بين الأعلى في أوروبا، وأن الاقتصاد المجري لم يشهد نموًا حقيقيًا منذ عام 2022. ويعد بالتحقيق في مصير الأموال العامة المسروقة وإدارة أصول حكومة أوربان.

موقفه من الاتحاد الأوروبي واضح: يريد استعادة 19 مليار يورو من الأموال الأوروبية المجمدة بسبب انتهاكات المجر للقيم الأوروبية، وهو عضو في حزب الشعب الأوروبي (EPP)، العائلة السياسية نفسها التي طرد منها أوربان. ماغيار يُذكّر المجريين بما كان عليه فيديس قبل أن ينزلق نحو الاستبداد.

حزب تيزا.. الاحترام والحرية

حزب تيزا (اختصار الاحترام والحرية بالمجرية) الذي أسسه ماغيار في بداية 2024 لا يزال حديث العهد وغير منظم مثل حزب فيديس، لديه قواعد صغيرة في أنحاء البلاد يسميها "جزر تيزا"، ويعتمد على متطوعين كثيرهم من الوجوه الجديدة في السياسة، لكن ما ينقصه في التنظيم يعوضه في الحماس الشعبي.

في الانتخابات الأوروبية في يونيو 2024، حصل تيزا على 29.6% من الأصوات في أول اختبار انتخابي له. واليوم، تضعه استطلاعات الرأي المستقلة في الصدارة بفارق كبير: معهد بوبليكوس يمنحه 48% مقابل 40% لفيديس بين الناخبين المنخرطين، ومعهد ميديان يمنحه تقدمًا بـ 12 نقطة في يناير 2026.

أخبار ذات علاقة

فيكتور أوربان يصل بكين

بعد موسكو.. فيكتور أوربان يزور بكين في "مهمة سلام" خاصة بأوكرانيا‎

معركة غير متكافئة

لكن الأرقام وحدها لا تكفي، فأوربان أعاد رسم الخريطة الانتخابية بشكل يخدم مصالحه، في ممارسة كلاسيكية للتلاعب الجغرافي بالدوائر الانتخابية، كما أن هناك أيضًا آلة دعاية ضخمة، إذ يسيطر نظام أوربان على نحو 500 وسيلة إعلامية مجرية من خلال مؤسسة كيسما، ويديرها أنتال روغان، ذراع أوربان اليمنى الذي يشرف أيضًا على الاستخبارات. 

ورغم كل العقبات، ماغيار يمثل أخطر تهديد واجهه أوربان في 16 عامًا من الحكم، لأول مرة، يواجه رئيس الوزراء منافسًا يأتي من خلفية محافظة، يفهم كيف يعمل النظام من الداخل، ويعرف كيف يتجنب الفخاخ الأيديولوجية.

في 12 أبريل/ نيسان 2026، سيذهب المجريون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات قد تغير وجه أوروبا الوسطى. 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC