أجمع محللون على أن النظام الإيراني بلغ "مرحلة اللاعودة"، وأن أي مسار مقبل، سواء المواجهة العسكرية أو القبول بالشروط الأمريكية، يقود عمليًّا إلى إضعافه أو سقوطه في ظل احتجاجات داخلية مختلفة عن سابقاتها، وتراجع حاد في أدوات النفوذ الإقليمي.
ويرى المحللون في حديث لـ"إرم نيوز" أن خضوع إيران بعد ضربة عسكرية أو قبولها بالشروط الأمريكية يعني توقيعًا على نهاية النظام، لأن التخلي عن النووي والصواريخ والأذرع الإقليمية يقوض أساس شرعيته، مشيرين إلى أن أي تنازلات إيرانية الآن تأتي في "الوقت الضائع"، هدفها كسب مهلة وترتيب خروج آمن لقيادات السلطة، لكنها لن تنقذ النظام.
وأفادت تقارير غربية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعمل على إعداد قوة عسكرية واسعة النطاق، بهدف توسيع هامش الخيارات المتاحة لمواجهة النظام الإيراني، بما يشمل سيناريو توجيه ضربة عسكرية تستهدف "قطع رأس" السلطة، وضرب الأصول الرئيسية لمنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات، إلى جانب استهداف البرنامج الصاروخي.
ويوضح الباحث في العلاقات الدولية عماد الشدياق أن خضوع إيران بعد أي ضربة عسكرية، وما قد يرافقه من انكسار في بنية النظام، سيقود إلى انهيار واسع، مؤكدًا أن النتيجة ستكون واحدة سواء تماهت طهران مع مطالب واشنطن أم لم تفعل، إذ تدرك القيادة الإيرانية جيدًا أن النظام تجاوز حدود البقاء، وأن ما بعد الانتفاضة لن يكون كما قبلها مهما كانت التطورات.
وذهب الشدياق، في حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن المعارضين الإيرانيين يرون أن ما يجري اليوم يختلف كليًّا عن جميع الانتفاضات السابقة، نظرًا لمشاركة مختلف الفئات والمدن في التظاهرات، واستمرار الزخم رغم تراجع الوتيرة أحيانًا، وهو ما لا يعني خروج الثورة عن مسارها.
ويرى المعارضون، بحسب الشدياق، أن المرحلة باتت مرتبطة بالحصول على دعم غربي عبر الاعتراف بدور المعارضة في تغيير السلطة، مشيرًا إلى أنه في حال وقوع الضربة الأمريكية المتوقعة خلال الفترة المقبلة، ستحظى المعارضة بمساندة كبيرة، ولا سيما إذا طالت الاستهدافات رؤوس السلطة والقيادات ومقرات الحرس الثوري، بما من شأنه إضعاف النظام ودفع المعارضين إلى توسيع تحركاتهم في الداخل.
وتابع الشدياق أن الولايات المتحدة تطلب عمليًّا من إيران التخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، ورفع يدها عن أذرعها في المنطقة، ثم التوقيع على اتفاق، معتبرًا أن هذه الشروط تمثل شبه انتحار للسلطة، وأن الموافقة عليها تعني عمليًّا التوقيع على وثيقة نهاية النظام وسقوطه.
واستطرد بالقول إن تركيبة النظام تمنعه من الإقدام على مثل هذه الخطوة، لإدراكه أن مشروعيته تقوم أساسًا على إظهار العداء للولايات المتحدة، في وقت تسعى واشنطن إلى تحويل طهران من المحور الشرقي إلى الغربي، وهو ما لا يمكن للقائمين على السلطة القبول به أو تنفيذه.
فيما يرى الخبير المختص في شؤون الشرق الأوسط، محمد زنكنة، أن الحرب التي تنتظر إيران سيواكبها تغيير من الداخل، وهو مصير حتمي يواجه أي قيادة تأسست بإرادة خارجية، وحوّلت الأزمات إلى أداة لإضفاء قدر من الشرعية على وجودها في السلطة، في ظل تلونها بصبغات مذهبية وطائفية، وفق تعبيره.
ورجح زنكنة، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن "تقدِّم إيران تنازلات جزئية عن بعض الملفات التي كانت تتعنت فيها، غير أن هذه التنازلات لن تكون مجدية هذه المرة" بحسب تقديره.
وأوضح أن طهران باتت تلعب في مرحلة "الأمتار الأخيرة" أو ما يعرف بـ"الوقت الضائع"، في محاولة للإبقاء على النظام حيًّا ولو مؤقتًا، على أمل استعادة جزء من قوتها وترتيب ظروف خروج آمن لقادة ومكونات السلطة، عبر الخضوع للمطالب الأمريكية بذريعة تنفيذ مطالب الشعب.
ويتوقع زنكنة أن يشهد الوضع فترة مراوحة أو "وقتًا مستقطعًا" بين المجتمع الدولي والنظام الإيراني، لكنه يؤكد أنه متى قررت الولايات المتحدة أن الزمن قد حان وأن الورقة احترقت، فلن يكون أمام السلطة سوى القبول بالشروط المطروحة، لضمان بقاء قادة النظام أحياء واستكمال عملية الخروج الآمن.
من جهته، يقول الخبير في الشأن الإيراني، طاهر أبو نضال، إن ما تشهده المنطقة من تحشيد عسكري واسع، وتحرك للأساطيل، وارتفاع احتمالات المواجهة وتوجيه الضربة، بالتزامن مع ثورة مستمرة في الداخل، يجعل النظام الإيراني أمام خيار واحد لا مفر منه، وهو القبول بالشروط الأمريكية السابقة المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي، وإنهاء دور الميليشيات التي تهدد استقرار دول المنطقة.
واعتبر أبو نضال، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن هذا التناقض في المواقف يعكس مراوغة واضحة لكسب الوقت، في محاولة للعودة إلى معادلة "اللاحرب واللاسلم"،غير أن التحولات الأخيرة في المنطقة، وفقدان طهران نحو 90% من قدرات الميليشيات التابعة لها، إلى جانب سقوط النظام السوري السابق، تجعل الرهان على هذا المسار في غير محله، إذ لن يفضي سوى إلى ضربة أمريكية أشد، تتحول معها ما يسميه محيط المرشد بـ"المطالب المستحيلة" إلى مجرد حلم بعيد المنال.
وأكد أن الاحتجاجات التي شهدتها مناطق البلوش والأحواز، إلى جانب المحافظات الرئيسية مثل طهران وأصفهان وشيراز خلال الأسبوعين الماضيين، تكشف حجم الضيق الذي يعيشه المرشد ودائرته وأدواته، وما أحدثته من شرخ واسع داخل الصفوف التي كانت خاضعة لسيطرة السلطة، بخروج مكونات كان النظام يروج لها باعتبارها ظهيرًا له.
وتابع أن النظام الإيراني لم يعد أمامه سوى السير في اتجاه "المطالب المستحيلة"، عبر تعطيل مشاريعه النووية وبرنامجه الصاروخي، والانفصال عن الميليشيات والأذرع التابعة له، إلا أن ذلك، حتى لو تحقق، لن يمنع الضربة الحتمية التي ستستهدف في نهاية المطاف تغيير النظام.