القيادة المركزية الأمريكية تقول الجيش الأمريكي ضرب أكثر من 5000 هدف إيراني حتى الآن
يرى خبراء عسكريون أن الغاية من تبني إيران لاستراتيجية "الدفاع الفسيفسائي" ليست تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل تعقيد مسار الحرب ورفع تكلفتها المادية والسياسية على الخصم لدَفعه نحو التسوية.
ويأتي هذا التحول النوعي بعد الدروس القاسية التي تعلمتها طهران عقب هزيمة "حرب الـ12 يومًا" في يونيو/ حزيران الماضي؛ ما جعلها تميل أكثر إلى تعزيز النموذج اللامركزي والاستنزافي في المواجهة.
وبحسب تصريحات خبراء لـ"إرم نيوز"، فإن هذه الاستراتيجية تقوم على "اللامركزية" في القيادة وتكثيف الانتشار الميداني، حيث تمنح الوحدات القتالية خطوطًا عريضة تتيح لها الاستمرار في المواجهة بشكل مستقل حتى في حال انقطاع الاتصال بغرفة العمليات المركزية.
ويتجلى هنا بوضوح منهج "مدرسة البازار" الإيرانية القائم على المناورة وتشتيت قدرات العدو؛ ما يحول الجغرافيا الإيرانية إلى نسيج معقد يصعب اختراقه بضربات خاطفة.
ويرى الباحث في الشؤون الإقليمية، محمد هويدي، أن هذه الإستراتيجية تقوم على تفكيك مركزية القيادة والسيطرة وتحويل مسرح العمليات إلى شبكات من الوحدات الصغيرة المستقلة نسبيًّا، كل واحدة قادرة على العمل حتى في حال تدمير القيادة المركزية أو تعطل الاتصالات.
وبحسب وصف هويدي لـ"إرم نيوز"، تتحول الدولة إلى "موزاييك" من الجيوب القتالية الموزعة جغرافيًّا بحيث يصعب على الخصم تحقيق ضربة حاسمة أو شل القدرات العسكرية عبر عملية واحدة وبالتالي تعتمد إيران على هذا النموذج.
وهناك عدة أسباب تدفع طهران إلى هذه الإستراتيجية الدفاعية وفق هويدي، في صدارتها عدم التكافؤ العسكري إذ تدرك صعوبة خوض حرب طويلة أمام قوة تمتلك تفوقًا جويًّا وتكنولوجيًّا كبيرًا، بالإضافة إلى أن مساحة الدولة وتضاريسها تسمح بتطبيق نموذج دفاعي يعتمد على الانتشار اللامركزي.
ويرجع امتصاص إيران للضربة الأولى إلى فاعلية الضربات الاستباقية، في وقت تعمل فيه طهران على دخول الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال ذلك إلى حرب استنزاف طويلة.
وتسير طهران نحو هذه الإستراتيجية كما يرى هويدي، من خلال توزيع منصات الصواريخ والمسيّرات في قواعد صغيرة ومتعددة بدلًا من الكبيرة واستخدام أنفاق تحت الأرض لإخفاء القدرات العسكرية، وتمكين وحدات محلية للحرس الثوري باتخاذ قرارات ميدانية مستقلة وتفعيل شبكة الوكلاء الإقليميين.
وأفاد هويدي بأن إيران تسعى إلى جعل الصراع طويل الأمد ومتعدد الجبهات بدلًا من الاعتماد على الضربات الصاروخية، حيث تصبح المرونة والانتشار أهم من التفوق العسكري، وسط عمل على عقيدة عسكرية بتفكيك القوة الميدانية المحاربة إلى وحدات موزعة قادرة على العمل بشكل مستقل.
فيما يرى الخبير الإستراتيجي مصطفى الخفاجي، أن طهران تسعى لاستثمار رصيدها الطويل من الخبرات العسكرية، بدءًا من حرب السنوات الثماني مع العراق وصولًا إلى المواجهة "الأمريكية - الإسرائيلية" الراهنة، لتعزيز موقفها الميداني.
وأوضح الخفاجي لـ"إرم نيوز" أن القيادة الإيرانية تعمل على توظيف قدراتها القتالية بشكل مرن يتوافق مع إحداثيات المعركة الحالية، مؤكداً أن الإستراتيجية المتبعة تهدف إلى مواءمة الإرث العسكري القديم مع متطلبات الحروب الحديثة لمواجهة الضغوط العسكرية المتصاعدة.
وتدرك طهران مدى ضرورة التعامل بواقعية وذكاء في سبيل الصمود لأطول مدة في هذه المواجهة التي تزداد صعوبة يوما بعد يوم، وفق الخفاجي، في ظل تصاعد وتيرة الضربات بين الطرفين بشكل مكثفز
ويشير الخفاجي إلى أن الإيرانيين معروف عنهم اتباع سياسة النفس الطويل لأنهم من مدرسة "البازار" حيث يستمر صانع السجاد الإيراني في حياكتها لمدة تصل 5 سنوات وبعدها ينتظر 5 سنوات أخرى لعرضها والترويج لها والمشاركة في سبيل بيعها حسب رغبته.
واستكمل بالقول إن هذا الأمر يعطينا انطباعا عن القدرة الإيرانية على التحمل وإتقان فن الصبر، لافتا إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أصدر كتابا تحت عنوان "قوة التفاوض"، يعكس الرغبة في اعتماد طهران على عامل الوقت لتسيير الواقع العسكري وفق رغباتها.
واعتبر الخفاجي أن إيران تراهن على عامل الصبر وتريد أن ترمي بهذه الكرة في مرمى تل أبيب في ظل إدراكها أن الجغرافيا الإسرائيلية لا تتحمل المزيد من الضربات الصاروخية وتصعيد الضغط على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في وقت تقصف فيه الملاجئ التي يختبئ فيها المدنيون.
ويعتقد أن إيران تريد جر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مستنقع الاستنزاف الطويل، فكلما زادت مدة الحرب، ارتفعت الخسائر المادية وأيضًا ازداد الغضب الشعبي في واشنطن وتل أبيب على ترامب ونتنياهو بعد أن أكّدا أن إسقاط النظام في المتناول.
وأردف الخفاجي أن إيران لا تزال تتعامل بنوع من المجابهة بهذه الإستراتيجية "الدفاع الفسيفسائي" على مستوى المنظومات الدينية والسياسية والعسكرية التي تقود البلاد، وليس أمامها سوى الصبر في المواجهة.
وربما تكون هذه الإستراتيجية كما يقول الخفاجي، بمثابة المخرج لطهران في ظل تعنت ورغبة جامحة من ترامب لتحقيق الأهداف المرجوة من التدخل العسكري المباشر الجاري حاليًّا في إيران.