بعد تراجع نفوذها تدريجيًّا في غرب أفريقيا، تتجه فرنسا نحو بناء شراكات أكثر توازنًا مع دول ذات أهمية إستراتيجية، لتبرز كينيا كشريك رئيس نظرًا لموقعها في منطقة القرن الأفريقي وإطلالتها على المحيط الهندي.
ورغم أن رغبة باريس في تعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية الناطقة بالإنجليزية ليست جديدة، فإن اختراقها الواضح في شرق القارة يُمثل مرحلة جديدة.
ووجدت فرنسا خطة بديلة في كينيا بعد تراجع مكانتها في غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية، حيث رسّخ توقيع اتفاقية دفاعية بين باريس ونيروبي التقاربَ الذي استمر لعدة أشهر.
الاتفاقية التي وافق عليها البرلمان الكيني تُتيح لفرنسا مخرجًا سلسًا بعد مشاكلها المتعلقة بسمعتها في غرب أفريقيا، بينما حكومات من مالي إلى النيجر، مرورًا ببوركينا فاسو، قد قلّصت أو أنهت في السنوات الأخيرة اتفاقيات عسكرية مماثلة مع باريس.
في المقابل، تُرسّخ الاتفاقية بين كينيا وفرنسا إطارًا للتعاون في مجالات التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن البحري.
وبموجب هذه الاتفاقية، تجد فرنسا حليفًا جديدًا في شرق أفريقيا، كما أوضح موقع "بيزنس إنسايدر أفريكا".
بالنسبة لكينيا، التي تواجه العديد من التحديات الأمنية، مثل: التهديد المستمر الذي تشكله حركة الشباب الصومالية، فإن الأمر يتعلق بزيادة قدراتها، ولكن أيضًا بتعزيز مكانتها كركيزة للأمن الإقليمي، كما يؤكد محللون.
ووفق المتخصص في ديناميكيات الأمن في غرب أفريقيا، رِدا سانتي في تصريح لـ"إرم نيوز" تعكس الاتفاقية إعادة تموضع فرنسا الإستراتيجي في أفريقيا، وهي عملية تضطلع بها منذ سنوات.
ففي ظل تراجع نفوذها في العديد من الدول الناطقة بالفرنسية، تركز باريس الآن على الاقتصادات الناطقة بالإنجليزية، التي تُعتبر أكثر ديناميكية واستقرارًا.
ونتيجة لذلك، برزت نيجيريا وجنوب أفريقيا كشريكين تجاريين رئيسيين لفرنسا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بحلول عام 2024.
هاتان الدولتان، اللتان استقبلتا زيارات من العديد من المسؤولين الحكوميين الفرنسيين في السنوات الأخيرة - بمن فيهم الرئيس إيمانويل ماكرون - تُشكلان محور إستراتيجية فرنسا الجديدة في القارة: نيجيريا بسوق محتملة تضم أكثر من 237 مليون مستهلك، وجنوب أفريقيا كقوة صناعية رائدة.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز كينيا كنقطة ارتكاز طبيعية كما يضيف ردا سانتي، فهي الاقتصاد الرائد في شرق أفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لأرقام صندوق النقد الدولي، ومركز مالي ولوجستي للمنطقة، وتركز تدفقات الاستثمار - 1.5 مليار دولار من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2024 - وتستضيف المقرات الإقليمية للشركات والمؤسسات متعددة الأطراف، وتلعب دورًا رئيسيًّا في دبلوماسية المناخ والتحول في قطاع الطاقة.
لكن تعزيز العلاقات لا يقتصر على التعاون الاقتصادي والعسكري فقط، بل إن الاتفاقية تأتي في سياق تحسن العلاقات بين البلدين، ولا سيما بين الرئيسين ويليام روتو وإيمانويل ماكرون.
في الحادي عشر والثاني عشر من مايو 2026، تستعد الدولتان لاستضافة قمة أفريقيا إلى الأمام في نيروبي، وهي أول قمة فرنسية أفريقية تُعقد خارج أفريقيا الناطقة بالفرنسية.
كما دُعيت كينيا إلى قمة مجموعة السبع المقبلة من قِبل فرنسا؛ ما أثار استياء جنوب أفريقيا، التي تدّعي أنها "أُلغيت دعوتها" تحت ضغط من الولايات المتحدة. وقد نفت فرنسا هذا الادعاء لوكالة رويترز.
مع ضعف علاقاتها مع مستعمراتها السابقة، يشير الخبير الاقتصادي كاكو نوبوكبو بمجلة "أفريكان بيزنس" إلى أن "الأزمات في منطقة الساحل قد سرّعت هذه الديناميكية".
وأوضح أن "قرب كينيا وشرق أفريقيا من القواعد العسكرية الغربية في جيبوتي، فضلًا عن التوترات المستمرة في الصومال، يجعل من الضروري للقوى الغربية، مثل: فرنسا، أن يكون لديها شبكات سياسية ودبلوماسية قوية في المنطقة".