أدّت الحرب في إيران والتوترات في أسواق النفط، إلى إحياء الاهتمام بالطاقة النووية في العديد من مناطق العالم، ولا سيما في أفريقيا.
وفي ظل ارتفاع أسعار الخام واضطرابات خطوط الإمداد، تسعى دول كثيرة إلى تأمين وصولها إلى الطاقة.
وتُعد آسيا، الوجهة الرئيسية للنفط والغاز من الشرق الأوسط، أولى المناطق وأكثرها تضررًا من اضطرابات خطوط الشحن، تليها أفريقيا مباشرةً.
كما تشهد الولايات المتحدة وأوروبا ارتفاعًا في تكاليف الطاقة نتيجة تأثير الصراع على الأسعار.
وتتجه الدول التي تمتلك بالفعل محطات طاقة نووية إلى زيادة إنتاجها لتأمين الإمدادات على المدى القصير، بينما تعمل الدول غير النووية على تسريع المشاريع النووية طويلة الأجل لحماية نفسها من الصدمات المستقبلية للوقود الأحفوري.
ويغذي ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الكهرباء الدعوات إلى التعاون النووي في مختلف أنحاء أفريقيا، حيث التزمت أكثر من 20 دولة من أصل 54 بخطط طويلة الأجل في مجال الطاقة الذرية.
وتُعد أفريقيا سوقًا واعدة تجذب الدول النووية، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وكوريا الجنوبية، التي تروّج للمفاعلات المعيارية الصغيرة كحل لنقص الطاقة.
وهذه الوحدات المدمجة أقل تكلفة من محطات الطاقة الكبيرة، لكن المشاريع لا تزال تستغرق سنوات. وتخطط كينيا لتشغيل مفاعل نووي صغير الحجم في عام 2034، بعد أن أطلقت المرحلة الأولى من المشروع العام 2009.
وفي جنوب أفريقيا، تلعب الطاقة النووية دورًا محوريًا بفضل محطة كويبرغ، وهي المحطة النووية التجارية الوحيدة في أفريقيا. وتنتج هذه المحطة، التي تضم مفاعلين، نحو 1860 ميغاواط من الطاقة الكهربائية الأساسية، ولا تزال تُشكّل ركيزة رئيسية للشبكة الوطنية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وافقت الهيئات التنظيمية على تمديد رخصة تشغيل الوحدة الثانية في كويبرغ لمدة 20 عامًا، ما يسمح لها بالعمل حتى عام 2045 بعد عمليات تجديد وتحديث شاملة لأنظمة السلامة.
كما تُعد السنغال مثالًا بارزًا آخر على طموحات أفريقيا النووية، إذ تدمج هذه التقنية في رؤيتها طويلة الأمد "السنغال 2050"، وتطمح إلى مضاعفة قدرتها النووية 3 مرات بحلول منتصف القرن.
وأنشأت البلاد بالفعل مفاعلًا نوويًا للأبحاث، وتستعد لنشر مفاعل معياري صغير لتوفير طاقة أساسية موثوقة ومنخفضة الكربون للصناعة والمجتمعات.
وتدرس حكومات غانا وناميبيا والنيجر أيضًا تطوير الطاقة النووية كجزء من استراتيجياتها طويلة الأجل في هذا المجال، في حين تجذب التقنيات الناشئة، مثل المفاعلات النووية الصغيرة والمتوسطة، اهتمامًا متزايدًا نظرًا لانخفاض تكلفتها وسرعة نشرها.
وبحسب الباحث النيجري في الشؤون الأفريقية ندال عمارو، فإن السؤال بالنسبة للاقتصادات الأفريقية لا يقتصر على كيفية استبدال مصادر الطاقة الحالية، بل يتجاوز ذلك إلى كيفية إضافة كميات كبيرة من الطاقة الموثوقة منخفضة الكربون دون إعاقة التنمية.
وقال عمارو في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن "تحقيق الحياد الكربوني سيتطلب اتباع نهج قائم على أهداف المناخ، حيث يوفر مزيج متوازن من الطاقة النووية والغاز والطاقة المتجددة مسارًا لتوسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء، ودعم النمو الصناعي، والحد من الانبعاثات، بما يضمن ألا يترك التحول الطاقي في القارة أي مجتمع في الظلام".
ولم تعد الطاقة النووية طموحًا بعيد المنال بالنسبة للدول الأفريقية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية، وفق ما قاله جوستوس وابويابو من وكالة الطاقة النووية في كينيا الشهر الماضي.
وخلال قمة عقدتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مارس/آذار، قدّر الرئيس الرواندي بول كاغامي أن أفريقيا ستكون "واحدة من أهم الأسواق العالمية" للمفاعلات الصغيرة في السنوات المقبلة.
وتُعد المفاعلات الصغيرة بمثابة استجابة لارتفاع الطلب على الكهرباء في القارة، وضعف الشبكات، والاعتماد المفرط على الديزل المستورد.
ووفقًا للويزو تياباشي من مؤسسة الطاقة النووية في جنوب أفريقيا، فإن المفاعلات النووية الصغيرة يمكن أن "تسمح لنا بتحقيق هدفنا الاستراتيجي المتمثل في وضع جنوب أفريقيا في طليعة التقنيات النووية المتقدمة".
وتأتي الحاجة إلى مصادر طاقة بديلة في وقت تشتد فيه المنافسة على النفوذ في أفريقيا بين واشنطن وموسكو.
وتقوم شركة "روساتوم"، عملاق الطاقة النووية الروسي، ببناء أول مفاعل نووي في مصر، وقد وقّعت اتفاقيات تعاون مع إثيوبيا وبوركينا فاسو وغانا وتنزانيا والنيجر، تشمل مشاريع رئيسية ومراكز أبحاث ومرافق لمعالجة اليورانيوم وبرامج تدريبية.
وعلى الرغم من أن كينيا وغانا فقط انضمتا إلى مبادرة أمريكية بشأن المفاعلات المعيارية، فإن واشنطن تحاول اللحاق بالركب.
وقد رعت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مؤتمرًا نوويًا في نيروبي الشهر الماضي، حيث أشار ريان تاوغر من وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن واشنطن تعمل مع الدول الأفريقية لتطوير مفاعلات نووية مدنية آمنة بوتيرة سريعة.
ومن المعلوم أن الطاقة النووية ليست حلًا سريعًا، إذ قد يستغرق تطوير صناعة نووية عقودًا، خاصة بالنسبة للدول الجديدة في هذا المجال.
لكن من المرجح أن تضمن الالتزامات طويلة الأجل التي يتم التعهد بها اليوم مكانتها ضمن مزيج الطاقة للدول على المدى البعيد.