logo
العالم

من "الردع" إلى "إدارة الخسارة".. لماذا غيّرت إيران تعريفها للمواجهة المقبلة؟

صورة المرشد الإيراني آية الله علي خامنئيالمصدر: أ ف ب

تدخل القيادة الإيرانية مرحلة مختلفة من الحسابات، مع اقتراب المواجهة العسكرية المحتملة. فبدلاً من الرهان التقليدي على الردع أو توسيع الاشتباك، بات النقاش في طهران، وفق تقديرات مراكز أبحاث وخبراء غربيين وإقليميين، يدور حول "إدارة الخسارة" إن وقعت، واحتواء آثار الضربة على الداخل السياسي والاجتماعي، ومنع تحولها إلى لحظة كسر للنظام.

هذا التحول لا يعني تخلي إيران عن أدوات الرد، بل يعكس إدراكا بأن الخطر الأكبر قد لا يكون عسكريا بحتا، بل في تفاعل الضربة مع هشاشة داخلية متراكمة بفعل العقوبات، والتضخم، وتآكل الثقة، والانقسام الاجتماعي، كما تفيد التقديرات. 

أخبار ذات علاقة

صور للصواريخ الإيرانية في طهران

معادلة الصواريخ واليورانيوم.. إيران بين "شبه الاستسلام" أو تلقي الضربة

من الردع إلى الاحتواء

تذهب دراسات صادرة عن مؤسسة "راند" ومجموعة الأزمات الدولية إلى أن سلوك إيران في الأزمات الأخيرة يظهر انتقالا من منطق الردع المطلق إلى ما تصفه بـ"الاحتواء المدروس". الفكرة الأساسية أن طهران باتت تميز بين ردٍّ يحفظ ماء الوجه وردٍّ يفتح الباب لحرب شاملة قد لا تتحملها سياسيا واقتصاديا.

في هذا الإطار، يلفت باحثو "راند" إلى أن القيادة الإيرانية تفضل توزيع الردود زمنيا وجغرافيا، وتأجيل بعض الأدوات بدل استخدامها فورا، لتفادي تصعيد غير قابل للضبط. هذا النهج، بحسب التحليل، لا يعكس ضعفا بقدر ما يعكس حساب كلفة في لحظة حساسة.

مركزية القرار وتضييق دوائر المخاطرة

تُظهر تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن إيران شدّدت خلال الفترة الماضية على مركزية القرار العسكري، وقلصت هامش المبادرة لدى المستويات الأدنى. والهدف، وفق تقديرات المعهد، هو تقليل مخاطر الخطأ التكتيكي الذي قد يشعل مواجهة أوسع من المرغوب فيها.

ويرى خبراء أن هذا التشديد يعكس قناعة داخل طهران بأن أي رد غير محسوب قد يمنح خصومها فرصة لتوسيع بنك الأهداف، وتحويل ضربة محدودة إلى حملة أوسع. لذلك، فإن ضبط الإيقاع بات أولوية موازية لامتلاك أدوات الرد نفسها.

الجبهة الداخلية.. ساحة المعركة الأهم

تجمع دراسات صادرة عن المجلس الأطلسي ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي على أن الشارع الإيراني هو العامل الحاسم في أي سيناريو مواجهة. فالتجارب السابقة، من احتجاجات 2019 إلى موجات الغضب اللاحقة، أظهرت أن الضغط الاقتصادي والسياسي يمكن أن يتحول سريعا إلى تحدٍّ للنظام إذا ترافقت الصدمة الخارجية مع إحساس بالعجز أو الإهانة. 

أخبار ذات علاقة

صورة المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران

سيناريو التقسيم.. بلوشستان وكردستان سلاح خطير في ترسانة ترامب لضرب إيران؟

الخبير في الشأن الإيراني كريم سجادبور يشير في تحليلاته إلى أن القيادة الإيرانية تخشى "لحظة الإدراك الجماعي" أكثر من الضربة نفسها، أي اللحظة التي يشعر فيها الشارع بأن النظام غير قادر على الحماية أو الرد. من هنا، تُفسّر سياسات ضبط الخطاب الإعلامي وخفض سقف التوقعات، ومحاولة تقديم أي مواجهة باعتبارها "معركة صبر" لا "معركة حسم".

الأذرع الإقليمية بين الضبط والتأجيل

ترى دراسات معهد الأمن القومي أن إيران باتت أكثر حذرا في إدارة أذرعها الإقليمية، ليس بسبب فقدان السيطرة، بل بسبب تغير وظيفة هذه الأذرع. فبدلاً من استخدامها كأدوات تصعيد فوري، يجري توظيفها كعناصر ردع مؤجل أو أوراق ضغط تفاوضية.

ويلاحظ باحثو المعهد أن طهران تسعى إلى منع ردود غير منسقة قد تجر ساحات مثل لبنان أو اليمن إلى مواجهة لا تخدم هدف الاحتواء. وهذا ينسجم مع مقاربة "الخسارة المُدارة"، حيث تُحفظ الأوراق الأثقل لمرحلة لاحقة إذا تطلب الأمر.

الاقتصاد كخط الدفاع الأخير

يُجمع خبراء اقتصاديون في مؤسسة "بروكينغز" على أن الاقتصاد الإيراني هو الحلقة الأضعف في معادلة المواجهة. لذلك، تعمل طهران، بحسب تقديرات "بروكينغز"، على امتصاص الصدمة الاقتصادية عبر سياسات تقشفية، وإدارة صارمة للعملة، وتوجيه الدعم نحو القطاعات الحساسة اجتماعيا، لمنع انفجار معيشي واسع.

الخبير الاقتصادي جواد صالح أصفهاني يرى أن النظام الإيراني يدرك أن أي مواجهة عسكرية قصيرة قد تكون قابلة للتحمل، لكن تحولها إلى أزمة اقتصادية ممتدة قد يهدد الاستقرار الداخلي بشكل أخطر من الخسارة العسكرية نفسها.

مواجهة بلا أوهام

الخلاصة التي تتقاطع عندها هذه الدراسات أن إيران لا تدخل المواجهة بعقلية الانتصار الكلاسيكي، بل بعقلية تقليل الخسائر ومنع الانهيار. فميزان القوى، وتعقيد البيئة الإقليمية، والهشاشة الداخلية، كلها عوامل تدفع طهران إلى التعامل مع الضربة المحتملة كحدث يجب احتواؤه لا كمعركة فاصلة يجب كسبها. 

أخبار ذات علاقة

ترامب والعلم الإيراني - تعبيرية

انتهى التفاوض ودقت طبول الحرب.. إيران بين "تجرّع السم" ولحظة الحسم

ولكن التقديرات تشير إلى أن كل ذلك لا ينفي قدرة إيران على الرد أو إيلام خصومها، لكنها تضع تلك القدرة ضمن إطار إدارة المخاطر لا المغامرة القصوى. وتخلص إلى أنه في هذا السياق، يصبح الصبر، وضبط الإيقاع، وتأجيل بعض الأوراق، جزءا من استراتيجية البقاء.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC