logo
العالم

الحوار الأمني والهجرة ونيجيريا.. رسائل ترامب المشفرة إلى دول الساحل الإفريقي

قوات عسكرية تتهيأ للمواجهة مع مسلحين في الساحل الأفريقيالمصدر: (أ ف ب)

منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل عام، أعطى الرئيس دونالد ترامب توجهاً جديداً لسياسة واشنطن في إفريقيا، وخاصة تحالف دول الساحل الثلاثي بأعضائه مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الذي أصبح محط أنظار المسؤولين الأمريكيين.

وقد زارت عدة وفود أمريكية مؤخراً باماكو وواغادوغو ونيامي لعرض سبل التعاون، وفق سياسة تبادل الموارد الطبيعية مقابل الدعم العسكري، في توجه يترجم التنافس بين القوى الكبرى، ولا سيما بكين وواشنطن وموسكو.

وسعت إدارة ترامب إلى إعادة فتح حوار مباشر مع قادة هذه الدول الانقلابية، وقد أشار مستشارون مقربون من البيت الأبيض إلى إمكانية تقديم دعم مادي للقوات المحلية، بما في ذلك توريد أسلحة ومعدات مناسبة لمكافحة التطرف. كما أفادت التقارير الغربية أن الاتصالات الاستكشافية ركزت على إمكانية الاستعانة بشركات أمنية أمريكية، وهو حل من شأنه أن يسمح للسلطة التنفيذية بتجاوز القيود البرلمانية.

أخبار ذات علاقة

لقاء رئيس جنوب إفريقيا بترامب في البيت الأبيض

دون "صدامية".. ترامب يخترق نفوذ الصين وروسيا في أفريقيا

في المقابل، تأمل واشنطن في الحصول على امتيازات خاصة في الوصول إلى المعادن الإستراتيجية في المنطقة، ولا سيما اليورانيوم والذهب والمعادن الأخرى التي يسعى إليها قطاع التكنولوجيا. والهدف يكمن في دعم السلطات المحلية في حربها ضد الجماعات المسلحة، مع ضمان أسواق للاقتصاد الأمريكي في الوقت نفسه. بالنسبة لعواصم منطقة الساحل، يمثل وعد الحصول على موارد عسكرية إضافية حافزًا قويًّا، حتى وإن كان ذلك يعني قبول توازن جديد في علاقاتها الدولية.

وتُشبه هذه المبادرات محاولةً للتعويض عن الانسحاب التدريجي لبعض القوى الغربية، مع رغبة واشنطن في الحفاظ على وجودها في منطقة تُعتبر إستراتيجية للأمن العالمي.

ولا تقتصر النوايا الأمريكية على المجال العسكري فحسب، بل تركزت المناقشات على مشاريع التنمية، بما في ذلك البنية التحتية للنقل وإنتاج الطاقة. وحسب مراقبين، هذا التنوع من شأنه أن يُعزز العلاقات بين واشنطن ودول الساحل، ويوسع نطاقها ليشمل ما هو أبعد من القضايا الأمنية البحتة. بل إن بعض المحللين يُشيرون إلى إمكانية إبرام اتفاقيات تجارية تفضيلية، ما قد يجذب المزيد من المستثمرين من القطاع الخاص.

أخبار ذات علاقة

أعلام مجموعة السبع خلال اجتماع سابق في ألمانيا

واشنطن تستضيف اجتماعًا لوزراء مالية السبع حول المعادن الاستراتيجية

يأتي هذا النهج في وقت أبرم فيه تحالف الساحل اتفاقياتٍ رئيسية مع شركاء خارجيين آخرين. وقد برز التحالف، الذي تأسس عام 2023، كإطارٍ جديد للتعاون الإقليمي، مُخالفًا بذلك نموذج المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس". وأطلقت الدول الثلاث العديد من المبادرات الدفاعية المشتركة، وأظهرت التزامها بتعزيز سيادتها، ونتيجةً لذلك، اتجهت بشكلٍ كبير نحو روسيا.

وتجلّى التقارب مع موسكو في نشر مستشارين عسكريين، وتوفير الأسلحة، وإنشاء برامج تدريبية بجانب اتفاقيات شملت الطاقة النووية، ومشاريع البنية التحتية، والتعليم العالي.

في غضون ذلك، رسّخت الصين وتركيا مكانتهما كلاعبين رئيسيين في المنطقة، من خلال الاستثمار في البنية التحتية وإقامة شراكات اقتصادية عديدة. وبذلك، أنشأت منطقة الساحل شبكة من التحالفات المتنوعة، بهدف تقليل اعتمادها على الجهات الفاعلة الغربية التقليدية. ويتمثل التحدي أمام قادة الساحل في تحقيق التوازن بين النفوذ والاستفادة من المنافسة الدولية.

لذا يمكن اعتبار العرض الأمريكي ورقة جديدة في لعبة معقدة وقد تسعى حكومات باماكو ونيامي وواغادوغو إلى استغلال هذا الوضع لتحقيق مكاسب إضافية، لكن عليها توخي الحذر حتى لا تُعرّض التزاماتها القائمة للخطر. كما أن دخول لاعب رئيسي جديد يستلزم إعادة تعريف الأولويات، ولا سيما فيما يتعلق بالأمن وتمويل التنمية. 

أخبار ذات علاقة

أزمة وقود تشهدها مالي

من النيجر إلى مالي.. المتطرفون يعيدون تشكيل خريطة المحروقات في الساحل الأفريقي

لكن مع ذلك، جاء تشديد البيت الأبيض سياسته المتعلقة بالهجرة إلى إفريقيا في أواخر العام الماضي ليضاعف التحديات بمنطقة الساحل، ذات الأهمية الإستراتيجية وغير المستقرة، ولتدفع ثمناً باهظاً لهذا التحول الجديد. ولأول مرة، أُدرجت دول تحالف الساحل ضمن قائمة الولايات المتحدة لحظر السفر الشامل. ففي يوم الثلاثاء الموافق الـ16 من ديسمبر، وقّع ترامب إعلاناً يُوسع نطاق قيود الدخول إلى الولايات المتحدة، ليشمل سبع دول جديدة، من بينها مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

ويُهدد هذا القرار الأحادي سنوات من التعاون بين واشنطن وعواصم منطقة الساحل، ولا سيما في مكافحة الإرهاب. ويبدو أن الطلاب والباحثين ورجال الأعمال هم أول ضحايا هذا الإجراء التقييدي، الذي قد تكون عواقبه الاقتصادية والإنسانية طويلة الأمد.

ولتبرير توسيع القائمة السوداء، استشهدت إدارة ترامب بـ"قصور مستمر وشديد" في أنظمة الرقابة والتحقق وتبادل المعلومات في الدول المعنية. ووفقًا لواشنطن، فإن مالي والنيجر وبوركينا فاسو تعاني ارتفاعَ معدلات تجاوز مدة الإقامة المسموح بها في التأشيرات، وصعوبات في ضمان مراقبة إدارية موثوقة لمواطنيها.

وامتدت رسائل ترامب المشفرة من دول الجوار، ففي الـ25 من ديسمبر الماضي وجّه ضربات أمريكية في نيجيريا وادعى أنها ضرورية لحماية المسيحيين من دولة متهمة بالتواطؤ مع المسلحين، واعتبرت أنها بمثابة تحذير عسكري ورسالة سياسية موجهة إلى منطقة الساحل بأكملها، فواشنطن مستعدة للضرب، ولا تكترث بالتعقيدات الإقليمية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC