باتت إمدادات الطاقة في منطقة الساحل الأفريقي، قضية استراتيجية تحمل تداعيات سياسية وأمنية غير مسبوقة، فبين الهجمات المسلحة على طرق التجارة، ونقص المحروقات، والإجراءات القسرية التي تتخذها نيامي، تُشكّل الأزمة اختبارًا حقيقيًا للتعاون بين حكومات غرب أفريقيا.
ويتواصل حصار المتطرفين لمالي التي تعتمد أكثر من أي وقت مضى على الدعم النيجري، في حين تسعى سلطاتها جاهدةً للحفاظ على تدفقات الوقود الضرورية للاقتصاد والحياة اليومية للسكان.
وحاليًا اتخذت أزمة الطاقة بعدًا إقليميًا جديدًا، في ظل تصعيد الجماعات المتشددة التابعة لتنظيم القاعدة هجماتها على الطرق وقوافل الوقود، قررت النيجر فرض عقوبات صارمة على شركات النقل التي ترفض توصيل الوقود إلى جارتها مالي، وفي ظلّ التضامن والمخاوف الأمنية والمخاطر الاقتصادية، أصبحت إمدادات المحروقات تشكل اختبارًا حقيقيًا لتحالف دول الساحل.
وأعلنت وزارة النقل النيجرية سحب تراخيص العديد من شركات النقل وسائقيها الذين رفضوا توصيل الوقود إلى مالي. وكان السبب المعلن هو الخطر الشديد الذي يهددهم في الطريق، الذي يتعرض باستمرار لهجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
وبلغ إجمالي عدد شركات النقل التي عوقبت 14 شركة و19 سائقاً لعدم التزامهم بعقودهم. وترى الحكومة النيجرية أن "هذا الرفض يُهدد الالتزامات الاستراتيجية المبرمة بين الدول الحليفة في ظل أزمة إقليمية حادة". وتعتقد نيامي أن ضمان استمرارية إمدادات الوقود بات الآن مسألة ذات أهمية وطنية وأمنية.
ومنذ سبتمبر، تواجه مالي حصاراً فعلياً تديره جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التابعة لتنظيم القاعدة، وتتلخص الاستراتيجية في تعطيل سلاسل إمداد الوقود بهدف شلّ الاقتصاد، وتعطيل النقل، وزيادة الضغط الاجتماعي على باماكو.
وقد استُهدفت الطرق الرئيسة التي تربط مالي بالسنغال وساحل العاج وموريتانيا وغينيا. كما أُحرقت شاحنات نقل الوقود أو نُهبت، أحياناً رغم وجود حراسة عسكرية. والنتيجة كانت نقص في محطات الوقود، وارتفاع حاد في تكاليف النقل، وتباطؤ واسع النطاق في النشاط الاقتصادي.
وبصفتها دولة منتجة للنفط، برزت النيجر كشريك رئيس لمالي في هذه الأزمة. ففي يوليو، وقّعت الدولتان اتفاقية لتوريد 85 مليون لتر من الوقود على مدى ستة أشهر، مخصصة بالدرجة الأولى للمناطق الشمالية الشاسعة والوعرة في مالي.
وفي نهاية نوفمبر، وصلت قافلة تضم 82 شاحنة صهريج إلى باماكو بعد رحلة امتدت قرابة 1400 كيلومتر من نيامي. وقد أسهمت هذه العملية، التي رافقتها قوات أمنية مشتركة من الهيئة الاقتصادية الخاصة، في تخفيف النقص مؤقتًا واستقرار سوق المحروقات المحلية جزئيًا.
إلى جانب أثرها الاقتصادي المحدود، حملت هذه الشحنة ثقلاً سياسياً كبيراً. فقد مثّلت أول عملية لوجستية واسعة النطاق تُنفّذ في إطار تحالف دول الساحل، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو بعد انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).
وبالنسبة لسلطات الكونفدرالية، فقد كان الأمر بمثابة إثبات لحقيقة التضامن في مواجهة العقوبات والضغوط الخارجية والتهديد المتطرف. وقُدّمت الحراسة العسكرية المشتركة، التي حشدت المركبات المدرعة والوحدات المتخصصة، كدليل على تعزيز التنسيق الأمني.
وبحسب مصادر سياسية موثوقة، تحتاج العاصمة باماكو إلى نحو 150 شاحنة وقود يوميًا لتسيير أعمالها بشكل طبيعي. لذا، فإن الشاحنات الـ 82 التي تم تسليمها لا تمثل سوى حل مؤقت.
وقد تعرّضت عمليات التسليم المخطط لها للأشهر التالية للخطر بسبب رفض السائقين، مما يُبرز القيود البشرية والأمنية لهذه الاستراتيجية. ومن هنا جاء قرار النيجر بإلزام شركات النقل بالوفاء بالتزاماتها، حتى وإن كان ذلك يُنذر بتوترات داخلية.
في الأثناء، أصبحت منطقة كايس التي طالما اعتُبرت بمنأى نسبيًا عن الأزمة، إحدى بؤرها الرئيسة. وتقع في غرب مالي، وتُعدّ حلقة وصل حيوية في ممر باماكو-داكار، كما تُسهم بنسبة كبيرة في إنتاج الذهب في البلاد.
ومنذ الصيف، تصاعدت وتيرة الهجمات على المواقع الأمنية، وتخريب الطرق، والتهديدات الموجهة ضد الشركات. ومن خلال استهداف كايس ونيورو دو ساحل، تسعى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى إثبات قدرتها على ضرب مناطق كانت تُعتبر سابقًا ثانوية، مع تعطيل التجارة الإقليمية في الوقت نفسه وفق ما يراه مراقبون.