عاد ملف المعارض الروسي البارز أليكسي نافالني الذي توفي داخل سجنه في 2024 إلى الطاولة مجددًا.
وقلبت تصريحات جديدة لزوجة نافالني الطاولة على الرواية الرسمية الروسية.
ففي الوقت الذي يقول فيه الكرملين إن المعارض الأبرز توفي نتيجة "جلطة مفاجئة"، خرجت يوليا نافالنايا لتكشف عن فحوص مخبرية سرية تؤكد - حسب قولها - أن زوجها قُتل بمادة "نوفيتشوك" السامة.
من جهته، نفى المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، مزاعم نافالنايا، واعتبرها "تصريحات عدائية بلا أي دليل"، مؤكدًا أن الرواية الرسمية حول «الوفاة بسكتة قلبية» لا تزال قائمة.
وكان نافالني المعارض الأشهر للرئيس فلاديمير بوتين، وقد بنى شعبيته على حملات مكافحة الفساد التي اجتذبت ملايين الروس عبر "يوتيوب"، واعتُقل أكثر من مرة، وقضى آخر أيامه في سجن عقابي بمنطقة القطب الشمالي، حيث أعلنت السلطات وفاته بـ"متلازمة الموت المفاجئ".
ويرى مراقبون أن توقيت إعادة فتح الملف ليس بريئًا، بل يندرج ضمن تصعيد أكبر ضد روسيا في ظل الحرب الأوكرانية وأزمات الطاقة والعقوبات، خاصة أن هذا الملف أقرب إلى ورقة في لعبة صراع جيوسياسي، حيث تتحول حياة رجل واحد إلى أداة في معركة أكبر بين موسكو والغرب.
وأكد خبراء أن إعادة فتح ملف نافالني لا ينفصل عن التصعيد السياسي الراهن، وأن موسكو تعد الخطوة جزءًا من "الحرب الإعلامية والنفسية" التي يشنها الغرب ضدها.
وأكد ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، مشيرًا إلى أن إعادة فتح ملف نافالني في هذا التوقيت، من وجهة نظر روسية لا يتعلق بالبحث عن حقيقة جديدة، بل يأتي ضمن توقيت مدروس من قبل الغرب.
وأكد بريجع في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن موسكو ترى أن الهدف من هذه الخطوة هو استخدام قصة قديمة كأداة ضغط إضافية في لحظة تشهد توترًا حادًا على أكثر من جبهة، من أوكرانيا إلى ملفات العقوبات والطاقة.
وأشار إلى أن الرواية الروسية الرسمية تركز على أنه لا يوجد دليل قاطع يثبت فرضية التسميم، معتبرًا أن تكرار هذه الادعاءات يندرج في إطار ما تسميه موسكو «الحرب الإعلامية والنفسية ضد روسيا».
وأضاف أن إعادة إثارة القضية في هذا الوقت تحديدًا يُعد - بحسب الموقف الروسي - مؤشرا على رغبة الغرب في صرف الأنظار عن إخفاقاته في الملفات الدولية، وتحويل التركيز مجددًا نحو الداخل الروسي.
وفي المقابل، شدد بريجع على أن موسكو تؤكد أن دلالات التوقيت هنا أهم بكثير من مضمون الاتهام نفسه، معتبرًا أن الغرب يسعى لإبقاء روسيا في موقع الدفاع، خاصة أن القيادة الروسية ماضية في سياساتها، ولن تسمح بأي حال من الأحوال بتحويل قضايا داخلية إلى أدوات ابتزاز دولي، وفق تعبيره.
من جانبه، أكد د. آصف ملحم، مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث والدراسات في روسيا، أن إعادة فتح ملف نافالني يُعد دليلًا واضحًا على عجز الدول الغربية عن ممارسة ضغط فعلي على روسيا.
وقال ملحم في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز" إن موسكو كانت تدرك منذ البداية أن الغرب لا يثق بها، وهي بدورها لا تثق بالدول الغربية، ولذلك اتخذت إجراءات مشددة عقب وفاة نافالني، بما في ذلك الاحتفاظ بجثته عدة أيام قبل تسليمها للدفن.
وأضاف أنه من المؤكد أن السلطات الروسية أجرت فحوصات دقيقة للجثة بهدف دحض أي محاولة لاستغلال القضية ضدها في المستقبل.
وأشار إلى أنه رغم الحملة الإعلامية الغربية الكبيرة حينها، لم تنجح تلك الدول في تحريض الشارع الروسي أو خلق تيار مناهض للرئيس فلاديمير بوتين، واليوم، وبعد مرور أكثر من عام ونصف على الحادثة، فإن إعادة إحياء الملف لا يُعدو كونه محاولة للضغط الأخلاقي على روسيا أكثر من كونه تحركًا ذا أثر سياسي فعلي.
وتابع أن "إثارة هذه القضية من جديد تأتي في سياق فشل الغرب المتواصل في التعامل مع الملف الأوكراني على المستويات العسكرية والأمنية والسياسية".
وقال المحلل السياسي إن هذه الزوبعة الإعلامية ستستمر لبضعة أيام فقط، ولن تفضي إلى نتائج ملموسة، حتى لو تبين في وقت لاحق أن نافالني قد تم تسميمه بالفعل، لأن الأمر في النهاية سيُدرج تحت قضايا جنائية وليست سياسية.
ولفت إلى أن الشعوب الأوروبية لا ترغب بمواجهة روسيا عسكريًا، ولديها تجارب تاريخية مريرة في هذا السياق، لذلك تحاول الحكومات الغربية تصوير روسيا مجددًا كدولة "لا ديمقراطية تقتل معارضيها"، في محاولة لإعادة شحن الرأي العام الأوروبي ضد موسكو، وفق تعبيره.