فون دير لاين: نشهد الآن صراعا إقليميا له عواقب غير مرغوبة وصارت فرصة توسعه واقعا ملموسا
قبل أن تجف دماء المرشد الأعلى علي خامنئي أو تشييع جثمانه، وفي خطوة وصفت بـ"الانتحارية" أعلن ما يسمى "مجلس خبراء القيادة" الإيراني، الأحد، تعيين آية الله مجتبى حسيني خامنئي، مرشداً أعلى جديداً للبلاد، خلفاً لوالده الذي قتل في اليوم الأول من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على طهران قبل أيام.
يُعد مجتبى خامنئي (56 عاماً) الابن الثاني للمرشد الراحل، الذي ينظر إليه على نطاق واسع كـ"عصب النظام"، وشريانه الرئيسي والمحور الأهم الذي يتحكم في خيوط السلطة الفعلية داخل النظام، خصوصاً علاقته الوثيقة والتاريخية الطويلة بالحرس الثوري وأجهزة الأمن والمخابرات.
على مدى عقود، عمل مجتبى في الظل كأحد أبرز المهندسين لسياسات القمع الداخلي والتوسع الإقليمي، وارتبط اسمه بقمع الاحتجاجات الكبرى في الأعوام (2009، 2019، 2022، وأحدثها في يناير 2026)، حيث يتهم بتوجيه ميليشيات الباسيج والحرس الثوري لقمع المعارضين بالبطش والرصاص.
وجاء الإعلان الرسمي بعد تصويت بأغلبية ساحقة داخل مجلس الخبراء المكون من 88 عضواً، وفقاً لما أوردته وكالات الأنباء الإيرانية الرسمية مثل تسنيم وفارس وإرنا.
ووصف المجلس الاختيار بأنه "استناداً إلى دراسات دقيقة وواسعة"، مع التأكيد على ضرورة الوحدة الوطنية في ظل الحرب الدائرة.
على هذا الاختيار، رد الشارع الإيراني بالخروج في مظاهرات حاشدة تأييدا له بقلب طهران، في تحد صارخ للضغوط الخارجية.
وخرج عشرات الآلاف من أنصار النظام إلى شوارع العاصمة طهران فور الإعلان، حاملين صور مجتبى خامنئي ووالده الراحل، مرددين شعارات "الموت لأمريكا ولإسرائيل"، مباركين ما وصفوه بـ"استمرار خط الإمام الخميني وخامنئي".
وشهدت الساحات الرئيسية مثل "میدان انقلاب" و"ميدان آزادي" تجمعات حاشدة، مع إطلاق ألعاب نارية وتوزيع الحلوى في بعض المناطق، في مشهد يعكس تعبئة قوية من قبل الأجنحة المتشددة والحرس الثوري الذي يسيطر فعلياً على الأمن والإعلام الرسمي.
يفسر مراقبون هذه المظاهرات كـ"استعراض قوة" من جانب الجناح المتشدد، رغم الخسائر الهائلة التي تكبدتها البلاد في الحرب، ورغم استمرار موجات الاحتجاجات المناهضة للنظام في أماكن أخرى.
يأتي اختيار مجتبى في توقيت يعد تحديا صريحا للرئيس ترامب الذي سبق أن وصف تعيينه بأنه "غير مقبول على الإطلاق"، معتبرا إياه "شخصا خفيف الوزن" و"غير كفء"، وأكد مراراً أن الولايات المتحدة "يجب أن تكون مشاركة" في اختيار القائد الإيراني الجديد، وأنه "لن يدوم طويلاً" بدون موافقة واشنطن.
من جانبها، أعلنت إسرائيل وعبر تصريحات رسمية وغير رسمية أن أي خليفة لخامنئي سيُعتبر هدفا مشروعا للاغتيال إذا استمر في سياسة "العدوان" ضد إسرائيل، مشيرة بوضوح إلى أن مجتبى وبسبب دوره المركزي في دعم "محور المقاومة" سيصبح على رأس قائمة الأهداف في حال تثبيته.
يُرى في اختيار مجتبى خامنئي انتقالا كاملا نحو نسخة أكثر تشددا من خط والده، مع تعزيز سيطرة الحرس الثوري على كل مفاصل الدولة، في وقت تُحاصر فيه إيران عسكريا واقتصاديا.
هذا الاختيار قد يفاقم الانقسامات الداخلية، إذ يرفض جزء كبير من الشعب فكرة "الوراثة السياسية" التي تتعارض مع مبادئ "الثورة الإسلامية" الأصلية التي أطاحت بالنظام الملكي الوراثي.
ومع تصاعد الحرب على إيران، وتزايد الضغوط الخارجية، يؤكد خبراء، أن مجتبى الذي يعتبر داخليا "عصب النظام" سيعمل على توحيد الصفوف، إلا أنه على المقلب الآخر سيكون لهذا الاختيار "الانتحاري" كما يصفه خصومه بمثابة شرارة أخيرة التي قد تُشعل انهيارا داخليا أكبر.