تحدثت مصادر أوروبية، عن سيناريو يجمع بين غرينلاند وأوكرانيا في ملف واحد تحت اسم "الصفقة المخيفة"، بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وبيّنت لـ"إرم نيوز"، أن الصفقة تتمثل في أن يُشكل بوتين تهديدًا عسكريًا للجزيرة، أو أزمة سياسية أو أمنية في تبعيتها للدنمارك، ليكون الردع عبر الرئيس الجمهوري تحت مظلة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ويعطي لواشنطن الوجود المكثف عسكريًا واستراتيجيًا ومن ثم السيطرة والتحكم في القرار هناك، مقابل خروج الولايات المتحدة عن ملف كييف.
وأخذت المخاوف من مثل تلك الصفقات بالتصاعد مؤخرًا، وخصوصًا بعد أن دعا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، الرئيس ترامب الإسراع في ضم غرينلاند، قبل أن تقرر موسكو تنظيم استفتاء على الانضمام إلى روسيا.
وقال دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى، إن هناك قلقا أوروبيا من قبل اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس" الأخيرة، من "صفقة مخيفة" يذهب عبرها ترامب إلى تعاون متفق عليه مع بوتين، بقيام الأخير بتوجيه تهديد عسكري لغرينلاند، أو افتعال أزمة سياسية أو أمنية في تبعيتها للدنمارك.
وبيّن لـ"إرم نيوز"، أنه على أثر الخطوة الروسية تتدخل الولايات المتحدة، بفرض "أمر واقع" بوجود عسكري متطور ومنتشر بشكل أكبر يفرض من خلاله "الحماية" على غرينلاند، ينتقل لاحقًا إلى فرض إطار عسكري جديد ومن ثم القيام بصيغ اقتصادية توفر توجه شركات أمريكية للاستثمار في الجزيرة.
ولفت الدبلوماسي الفرنسي، إلى أن ترامب الذي قدم دورا مختلفا لواشنطن في ولايته الثانية في الأزمة الأوكرانية والعمل بشكل يقدم ما ينتظره بوتين، لاستقطاع الأراضي التي يركز عليها في أوكرانيا، ويتراجع عن التحالف مع الأوروبين، ليس بعيدا عنه القيام بمثل هذه الصفقة، التي يتخوف منها ساسة أوروبيون بالفعل، ليكونوا في تشتت بين ابتلاع أوكرانيا أو استقطاع غرينلاند بهذا الشكل.
وأوضح أنه إذا حدثت مثل هذه الصفقة، ستجعل الولايات المتحدة تغض البصر عن تهديدات روسية قريبة من بوتين، لن تتوقف عند أوكرانيا، ولكن نحو دول أخرى في أوروبا الشرقية، بمنطق أنها كانت تابعة للاتحاد السوفيتي وأن موسكو حررتها من "النازيين".
ويستخدم ترامب منطق التصعيد القصوى، لا تمهيدًا للحرب، بل لفرض معادلة تفاوضية غير متكافئة: إما قبول "دنماركي-أوروبي" بإعادة تعريف وضع غرينلاند سياديًا وأمنيًا لصالح واشنطن، أو تحمل تبعات سياسية واقتصادية قاسية. مما يجعل الأقرب ليس عملية شراء كلاسيكية بالمعنى المالي، ولا عملاً عسكريًا مباشرًا، بل إخضاعًا تدريجيًا للقرار السيادي عبر الضغط، وإعادة هندسة الوضع القانوني للجزيرة بما يجعل السيطرة الأمريكية أمرًا واقعًا دون إطلاق رصاصة واحدة.
بدوره أكد مصدر سياسي ألماني رفيع المستوى، إن كوبنهاغن تقف الآن أمام حسابات خاصة في تهديدات ترامب بخصوص غرينلاند، وهو ما يمكن أن يستغل من وثائق، مازال جانب كبير منها غير مفصح عنه، عن معاناة أهل الجزيرة حتى عقود قريبة من سياسات ممنهجة حملت انتهاكات من الحكومة الدنماركية، تجاه السكان الأصليين للجزيرة.
وأوضح لـ"إرم نيوز"، أن هذا الشعب عانى جزء كبير منه من انتهاكات حقوقية وصلت إلى جعل الصغار حقل تجارب وخاضعين لأبحاث علمية شديدة الخطورة، من حكومة كوبنهاغن، فضلًا عن عمليات جعل النساء غير قادرات على الإنجاب وفصل الأطفال عن أسرهم.
ولفت المصدر السياسي الألماني، إلى أن هناك جانبا من السكان الأصليين، لن يقفوا للمطالبة بالانضمام إلى الولايات المتحدة، ولكن سيكون لهم دور في حال أي استفتاء مستقبلي، ومن الممكن أن يتطور هذا الدور إلى عنصر مؤثر في مستقبل التبعية السياسية للجزيرة.
ومن زاوية الحسابات الجيوستراتيجية الباردة، فإن تصعيد ترامب في دافوس حول غرينلاند لا يمكن قراءته كزلة خطابية أو مزايدة سياسية، بل كجزء من إعادة تعريف أمريكية لمفهوم الأمن القومي في الفضاء القطبي، في وقت تعتبر فيه غرينلاند، في نظر البنتاغون، ليست جزيرة بقدر ما هي منصة جيواستراتيجية تتحكم في خطوط الملاحة المستقبلية، وأنظمة الإنذار المبكر، لذلك فإن خطاب "الضرورة الحيوية" يعكس انتقال الملف من خانة الجدل الدبلوماسي إلى خانة التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
من جهته، قال الباحث الاستراتيجي، هشام معتضد، إن بالرغم من الطابع الصادم أخلاقيا وقانونيا، لسيناريو شراء غرينلاند، إلا أنه يظل الأقرب إلى العقلانية الأمريكية، حيث يسمح ذلك لواشنطن تحقيق الهدف دون تفجير حلف "الناتو" من الداخل، ودون خلق سابقة عسكرية خطيرة داخل فضاء غربي يُفترض أنه متجانس أمنيًا.
وبيّن لـ"إرم نيوز"، أن ذلك يمنح الولايات المتحدة شرعية قانونية كاملة للوجود والسيطرة، ويُجنبها كلفة سياسية واقتصادية وعسكرية لا داعي لها، خصوصًا أن الدنمارك دولة حليفة، وأن أي عمل قسري سيُحوّل الخلاف من تفاوضي إلى وجودي داخل المنظومة الأطلسية.
واعتبر الباحث معتضد، أن الخيار العسكري على الرغم من تلويح ترامب بالقوة، لكن يبدو غير واقعي في هذه المرحلة، ليس لضعف القدرة، بل لارتفاع التكلفة الاستراتيجية، إذ إن أي تدخل عسكري أمريكي في غرينلاند سيُعد سابقة داخل "الناتو"، ويفتح الباب أمام تفكيك الثقة الأوروبية في القيادة الأمريكية.
كما سيمنح روسيا والصين ذريعة مثالية لتبرير سياساتهما التوسعية، ومن منظور عسكري صرف، لا تحتاج واشنطن إلى غزو لتأمين الجزيرة، فهي موجودة عبر آلياتها الحربية هناك من قبل، وتتحكم فعليًا في مجالها الجوي والبنية الدفاعية الحساسة، وفقًا للباحث معتضد.
ورأى معتضد أنه من زاوية التكتيك السياسي الداخلي، يوظف ترامب ملف غرينلاند لتعزيز صورته كرئيس لا يتردد في كسر التابوهات، وإعادة تعريف المصالح الأمريكية دون اكتراث بالكلفة الرمزية.
ولفت إلى أن إحياء سردية "نحن من حررناكم ونحن من يحميكم"، لا يُعيد من خلالها إنتاج منطق الهيمنة الحمائية، الذي يرى الحلفاء فيها عبئًا لا شركاء، لكنه يخاطب قاعدته الانتخابية القومية، وبهذا المعنى، تتحول غرينلاند إلى أداة في معركة سياسية داخلية، تُستخدم لإظهار الحزم، وتبرير إعادة توزيع الالتزامات الأمريكية تجاه أوروبا.
ورجح الباحث معتضد أن يقود هذا التصعيد إلى تسوية وسطى لا تُعلن كشراء ولا تُنفذ كضم، بل تتجسد في توسيع الوجود العسكري الأمريكي، وتقييد الهامش السيادي الدنماركي عمليًا، مع منح غرينلاند وضعًا خاصًا تحت مظلة أمنية أمريكية شبه مباشرة.
وذكر أن هذه الصيغة تسمح لواشنطن بتحقيق جوهر الهدف الاستراتيجي، دون دفع ثمن الانفجار القانوني أو العسكري، وتُكرّس نموذجًا جديدًا من السيطرة غير الرسمية، يتماشى مع طبيعة الصراعات الرمادية في النظام الدولي المتحول.