الجيش الإسرائيلي حول تقارير عن ضربة لإيران: نحن على أتمّ الاستعداد للدفاع والهجوم

logo
العالم

من التعدين إلى الملاحة.. ما مصالح الصين المتعددة في غرينلاند؟

جزيرة غرينلاندالمصدر: رويترز

تبرز غرينلاند كنقطة تقاطع حاسمة في الطموحات الصينية بالقطب الشمالي، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والأمنية في جزيرة تحولت من هامش جغرافي إلى مركز للتنافس الجيوسياسي العالمي. 

ورغم أن النفوذ الصيني الفعلي في غرينلاند يظل محدوداً مقارنة بطموحات بكين، إلا أن المصالح المتعددة التي تسعى الصين لتحقيقها في هذه الجزيرة القطبية تكشف عن استراتيجية طويلة الأمد قد تعيد رسم خريطة التوازنات الدولية.

المعادن النادرة.. قلب الصراع الاستراتيجي

تمثل المعادن النادرة العمود الفقري للاهتمام الصيني بغرينلاند. تحتل الجزيرة المرتبة الثامنة عالمياً في احتياطيات المعادن النادرة بنحو 1.5 مليون طن، وتضم اثنين من أكبر رواسب المعادن النادرة في العالم، هذه المعادن حيوية لصناعة الدفاع والطاقة المتجددة والاتصالات والسيارات الكهربائية والتكنولوجيا المتقدمة.

ما يجعل غرينلاند ذات أهمية استراتيجية خاصة للصين هو سيطرة بكين الساحقة على معالجة وتكرير المعادن النادرة عالمياً. تسيطر الصين على 90% من طاقة المعالجة العالمية للمعادن النادرة، وأنتجت 70% من المعادن النادرة العالمية في العام 2024. هذا يعني أنه حتى لو استخرجت دول أخرى المعادن من غرينلاند، فستظل مضطرة لإرسالها إلى الصين للمعالجة والتكرير.

في العام 2016، استحوذت شركة شينغهي الصينية للموارد على 12.5% من أسهم شركة "غرينلاند مينيرالز" الأسترالية التي تمتلك مشروع كفانفيلد، لتصبح أكبر مساهم في المشروع. وفي العام 2018، وقعت شينغهي مذكرة تفاهم تمنحها الأولوية في معالجة وتسويق المواد المستخرجة من الموقع. 

رغم أن المشروع توقف في العام 2021 بعد أن أعادت غرينلاند فرض حظر على تعدين اليورانيوم، إلا أن الاستثمار الصيني يبقى قائماً في انتظار تغير الظروف السياسية.

حذرت وزيرة الأعمال والموارد المعدنية في غرينلاند نايجا ناثانيلسن، من أنه دون تدفق استثمارات غربية كافية، ستضطر غرينلاند للتوجه نحو شركاء آخرين، بما في ذلك الصين. هذا التحذير يعكس الواقع الاقتصادي: غرينلاند بحاجة ماسة للاستثمار، والصين مستعدة لتقديمه. 

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر "دافوس"

ترامب: لا نريد غرينلاند من أجل معادنها بل لتعزيز أمننا القومي

طريق الحرير القطبي.. تقصير المسافات وتأمين التجارة

في يناير 2018، أصدرت الصين أول "كتاب أبيض حول سياسة القطب الشمالي"، معلنة نفسها "دولة شبه قطبية" ومقدمة رسمياً مفهوم "طريق الحرير القطبي"، الذي يضيف ممراً بحرياً شمالياً إلى مبادرة الحزام والطريق.

يشمل طريق الحرير القطبي ثلاثة ممرات ملاحية: الممر الشمالي الشرقي قبالة الساحل الروسي، والممر الشمالي الغربي عبر كندا والولايات المتحدة، وممر مستقبلي عبر وسط القطب الشمالي. 
الممر الشمالي الشرقي، الذي تسيطر عليه روسيا إلى حد كبير، يختصر وقت الشحن من شنغهاي إلى هامبورغ إلى حوالي 18 يوماً، مقارنة بحوالي 35 يوماً عبر قناة السويس - توفير يصل إلى 40-50% في الوقت والتكاليف والوقود.

بدأت شركة الشحن الصينية COSCO باستخدام الطرق القطبية في العام 2013، وخلال ثماني سنوات، أجرت 56 رحلة بـ26 سفينة، بما في ذلك 14 رحلة في العام 2021 وحده. في العام 2017، أصبحت سفينة الأبحاث الصينية "شيويلونغ" أول سفينة صينية تبحر عبر الممرات القطبية الرئيسية الثلاثة.

كما شكل العبور الناجح للممر البحري الشمالي بواسطة سفن الحاويات الصينية في العام 2025، نقطة تحول في اللوجستيات العالمية. رغم أن طريق الحرير القطبي لا يمر مباشرة عبر غرينلاند حالياً، إلا أن الجزيرة تقع في موقع استراتيجي على ممر "فجوة GIUK"  (بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا) الذي يربط المحيط المتجمد الشمالي بالأطلسي، مما يجعلها نقطة مراقبة حيوية لأي قوة تطمح للسيطرة على التجارة القطبية.

تنويع طرق التجارة والبنية التحتية

بالنسبة للصين، لا يمثل طريق الحرير القطبي مجرد مشروع تجاري، بل ضرورة استراتيجية لتنويع طرق تجارتها. الطرق القطبية توفر للسفن الصينية القدرة على تجاوز المسارات المستخدمة على نطاق واسع من أوروبا إلى الصين والتي تمر عبر قناة السويس أو حول رأس الرجاء الصالح. هذا التنويع يقلل من قابلية الصين للتأثر بالضغوط الجيوسياسية في نقاط الاختناق البحرية التقليدية.

حاولت الصين على مدى العقد الماضي الاستثمار في البنية التحتية الغرينلاندية، لكن طموحاتها تعثرت إلى حد كبير بسبب المخاوف الأمنية الأمريكية والدنماركية. في العام 2018، قدمت شركة الاتصالات الصينية الحكومية عطاءً لبناء المطارات في غرينلاند، لكن الحكومة الدنماركية تدخلت وقررت تمويل نصف تكلفة المطارات بنفسها لمنع النفوذ الصيني.

في العام 2016، حاولت شركة مقرها هونغ كونغ شراء قاعدة بحرية دنماركية مهجورة في غرونيدال، لكن الحكومة الدنماركية أوقفت الصفقة. كما تم إحباط محاولة صينية لبناء محطة أرضية لاستقبال إشارات الأقمار الصناعية في غرينلاند كان من الممكن استخدامها لنظام الملاحة "بايدو" الصيني.

ورغم هذه الإخفاقات، تظل البنية التحتية أحد الأعمدة الرئيسية وراء الوجود الصيني المستقبلي في غرينلاند. بكين تدرك أن أي تطوير لموارد غرينلاند سيتطلب استثمارات ضخمة في الموانئ وتوليد الطاقة وممرات النقل - وهي بالضبط نوع المشاريع التي تتخصص فيها الشركات الصينية.

البحث العلمي.. غطاء الناعم للحضور الاستراتيجي

منذ العام 2004، أنشأت الصين محطة أبحاث "النهر الأصفر" في أرخبيل سفالبارد في شمال النرويج. البحث العلمي يوفر للصين مدخلاً "محايداً" للمنطقة القطبية، لكن تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) يسلط الضوء على الفوائد ذات الاستخدام المزدوج، بما في ذلك تجاوز نقاط الاختناق البحرية، وإمكانية إجراء أبحاث ملاحة الغواصات في المحطات القطبية الصينية.

في أكتوبر 2024، دخلت سفن خفر السواحل الصينية مياه المحيط المتجمد الشمالي لأول مرة، تعمل شمالاً أكثر من أي وقت سابق، مما يشير إلى توسع صيني في مناطق تعتبر تقليدياً ضمن النفوذ الغربي.

العلاقة الروسية.. بوابة القطب الشمالي

رغم أن غرينلاند دنماركية، إلا أن التقدم الصيني الأكثر واقعية في القطب الشمالي يأتي عبر روسيا. وقعت الصين وروسيا اتفاقية تعاون بين خفر السواحل في مورمانسك في أبريل 2023. في فبراير 2022، قبل أيام من حرب بوتين على أوكرانيا، التقى شي جين بينغ وبوتين في بكين وناقشا، من بين أمور أخرى، تطوير طريق الحرير القطبي.

الممر الشمالي الشرقي، الذي يمر بالساحل الروسي، هو الطريق القطبي الأكثر قابلية للاستخدام حالياً، وتستفيد الصين من علاقتها القوية مع موسكو لتعزيز وجودها في القطب الشمالي. الشركات الصينية هي من بين أكثر المستخدمين تكراراً لهذا الطريق، بشكل أساسي لجلب الغاز الطبيعي إلى الأسواق الصينية.

لعبة طويلة الأمد

رغم الإخفاقات والعقبات، تحتفظ الصين بنظرة طويلة الأمد تجاه غرينلاند. بكين تدرك أن التغير المناخي يفتح فرصاً جديدة في القطب الشمالي، وأن سيطرتها على معالجة المعادن النادرة تمنحها ميزة استراتيجية حتى لو استخرجت دول أخرى هذه المعادن.

حسب تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، غرينلاند لديها أعلى مستوى من الاستثمار الصيني كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة القطب الشمالي. وطالما ظلت الاستثمارات الغربية محدودة، ستظل الصين خياراً جذاباً لحكومة غرينلاندية تسعى لتنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد الكلي على صيد الأسماك.

فمصالح الصين في غرينلاند ليست مجرد مصالح اقتصادية، بل جزء من استراتيجية شاملة لتعزيز النفوذ الصيني في القطب الشمالي، وتأمين سلاسل الإمداد الحيوية، وتحدي الهيمنة الأمريكية على المسارات البحرية العالمية. غرينلاند، بموقعها الاستراتيجي ومواردها الهائلة، ستظل نقطة محورية في هذا الصراع الجيوسياسي لعقود مقبلة. 

أخبار ذات علاقة

ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين

لتسهيل التدفق العالمي.. بكين تمنح تراخيص مبسطة لتصدير المعادن النادرة

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC