logo
العالم

كندا تختار الاستقرار مع الصين.. مواجهة "غير مباشرة" للضغوط الأمريكية

جانب من الاجتماع بين الكنديين والصينيينالمصدر: (أ ف ب)

أعلن رئيس وزراء كندا مارك كارني عن اتفاق تجاري "تاريخي" مع الصين خلال أول زيارة لرئيس وزراء كندي إلى بكين منذ 8 سنوات، في توقيت يتزامن مع تصاعد حدة الحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد جارته الشمالية.

ووصف كارني الاتفاق بأنه "شراكة استراتيجية جديدة" مع الصين تهدف إلى تنويع الشركاء التجاريين بعيداً عن الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة، التي تمثل أكبر شريك تجاري لكندا بحجم تجارة يومية تبلغ 2.5 مليار دولار.

لكن السياسات الحمائية لإدارة ترامب، التي فرضت رسوماً جمركية بنسبة 25% على منتجات كندية متعددة ورسوماً بنسبة 10% على الطاقة، دفعت أوتاوا للبحث عن بدائل استراتيجية.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ترامب يخطط لإرسال سفن أمريكية إلى سواحل كندا

وخلال لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى ببكين، شدد كارني على أن التعاون سيكون أساس هذه الشراكة، مشيراً إلى أن الزراعة والطاقة والتمويل هي المجالات التي يمكن تحقيق تقدم فوري فيها.

تفاصيل الاتفاق

ويتضمن الاتفاق بنوداً جوهرية تعكس رغبة الطرفين في تجاوز التوترات التي استمرت منذ 2018.

من الجانب الكندي، ستسمح أوتاوا بدخول 49 ألف سيارة كهربائية صينية سنوياً إلى السوق الكندية بتعريفة جمركية قدرها 6.1%، وهو انخفاض حاد من الرسوم البالغة 100% التي فرضتها في 2024.

في المقابل، وافقت بكين على خفض الرسوم الجمركية على زيت الكانولا الكندي من نحو 85% إلى 15% بحلول مارس/آذار المقبل، مع إلغاء الرسوم كلياً على وجبة الكانولا وسرطان البحر والبازلاء.

ويعكس القرار الكندي عدة دوافع استراتيجية، أبرزها الضرورة الاقتصادية، فقد ارتفع معدل البطالة الكندية إلى أعلى مستوى له منذ 9 سنوات نتيجة للرسوم الجمركية الأمريكية، كما شهدت السياحة الكندية إلى الولايات المتحدة انخفاضاً بنسبة 31%.

هذا الواقع الاقتصادي القاسي دفع الحكومة الكندية للبحث عن أسواق بديلة، والصين بسوقها الضخم الذي يضم 1.4 مليار مستهلك تمثل وجهة منطقية.

لكن الاتفاق أثار جدلاً واسعاً داخل كندا نفسها.

ورحب رئيس وزراء ساسكاتشوان ومانيتوبا بالصفقة التي ستفتح أسواقاً ضخمة أمام الكانولا الكندية بقيمة 4 مليارات دولار. 

في المقابل، هاجم دوغ فورد، رئيس وزراء أونتاريو التي تحتضن مصانع فورد وجنرال موتورز وتويوتا، الصفقة بشدة، واصفاً السيارات الصينية بأنها "سيارات تجسس مدعومة"، محذراً من أن خفض التعريفات على السيارات الصينية قد يثير غضب ترامب.

رد الفعل الأمريكي

التصريحات الأمريكية جاءت متباينة بشكل لافت. فبينما وصف الممثل التجاري الأمريكي جيمسون غرير القرار الكندي بأنه "إشكالي"، وقال وزير النقل شون دافي إن كندا ستندم على هذا القرار، فإن ترامب نفسه أبدى تفهماً نسبياً للصفقة.

وهذا التباين يعكس الارتباك الأمريكي في التعامل مع حليف تقليدي يبحث عن مساحة للمناورة.

القرار الكندي يحمل أبعاداً أعمق من مجرد صفقة تجارية، فهو يمثل تحدياً غير مباشر لمفهوم "القلعة الشمالية الأمريكية" الذي تسعى واشنطن لبنائه ضد الصين. 

كما يشير إلى تحول في النظام التجاري العالمي، حيث أكد كارني أن النظام متعدد الأطراف القائم "يتآكل"، وأن المستقبل سيشهد تحالفات ثنائية وإقليمية أصغر بدلاً من الاعتماد على المنظمات الدولية الكبرى.

وفي تصريح لافت، قال كارني إن الصين كانت "أكثر قابلية للتنبؤ" من الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة.

وأضاف أن التعامل مع بكين أثمر نتائج ملموسة.

هذا التصريح، رغم حذره الدبلوماسي، يعكس إحباطاً كندياً عميقاً من تقلبات السياسة الأمريكية تحت إدارة ترامب.

قراءات متباينة للصفقة

ويرى إيريك ميلر، المستشار التجاري ورئيس مجموعة "ريدو بوتوماك" الاستراتيجية في واشنطن، أن الخطوة الكندية تعكس إدراكاً بأن هناك احتمالاً معقولاً بأن ينتهي عام 2026 دون اتفاق تجاري حقيقي مع الولايات المتحدة.

وأضاف ميلر، أن رئيس الوزراء الكندي يرسل رسالة واضحة مفادها أن كندا لديها إرادة مستقلة ولن تنتظر ببساطة ما ستقرره واشنطن.

من جانبه، حذر فيفيك أستفانش، أستاذ إدارة الأعمال بجامعة ماكجيل في مونتريال، من أن الصفقة قد تمثل تحدياً لشركات السيارات الكهربائية الأمريكية مثل تسلا التي تسعى لتوسيع حصتها السوقية في كندا، موضحاً أن نحو 10% من مبيعات السيارات الكهربائية الكندية ستذهب للمصنعين الصينيين.

أخبار ذات علاقة

العلمان الصيني والأمريكي

بعد اتفاقات كندا وتايوان.. كيف تتأثر "الحرب التجارية" بين واشنطن وبكين؟

عواقب اقتصادية محلية

أما غال راز، الأستاذ المشارك في جامعة ويسترن والخبير في سلسلة توريد السيارات الكهربائية، فأكد أن دخول السيارات الصينية سيعني أسعاراً أرخص للمستهلكين الكنديين، لكنه أقر بأن الصفقة قد تضر بصانعي السيارات الكنديين إذا لم تتخذ الحكومة خطوات لدعم القطاع المحلي.

في المقابل، عبّر السيناتور الديمقراطي بريان شاتز عن انتقادات لاذعة للصفقة، واصفاً إياها بأنها "فشل واضح في السياسة الخارجية مع عواقب اقتصادية محلية".

وأشار شاتز، إلى أن المبدأ الأساسي في السياسة الدولية هو الولاء للأصدقاء، وأن الولايات المتحدة لم تكن غير مخلصة فحسب، بل كانت عدائية تجاه كندا.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح كندا في موازنة علاقاتها مع كل من الصين والولايات المتحدة دون أن تدفع ثمناً باهظاً؟ التاريخ يشير إلى صعوبة هذه المعادلة، لكن الضغوط الاقتصادية الحالية قد تكون دفعت أوتاوا لخوض هذا الرهان، معلنة بذلك عصراً جديداً من الاستقلالية التجارية الكندية، حتى لو جاء ذلك على حساب إرضاء الحليف الأمريكي التقليدي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC