logo
العالم

بعد اتفاقات كندا وتايوان.. كيف تتأثر "الحرب التجارية" بين واشنطن وبكين؟

العلمان الصيني والأمريكيالمصدر: رويترز

لم تُنهِ الهدنة القائمة في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين الصراع بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم، بل أعادت تنظيمه في صورة أكثر هدوءًا وأكثر تعقيدًا.

فالتعريفات الجمركية الواسعة التي أشعلت المواجهة في مراحلها السابقة جرى تجميدها جزئيًا، لكن أدوات الضغط لم تُسحب من الطاولة، إنما أُعيد توزيعها عبر سلاسل التوريد، والاتفاقات الثنائية، والملفات ذات الطابع السيادي.

في هذا السياق، تبرز التطورات الأخيرة، المتمثلة بالاتفاق التجاري بين الصين وكندا، والاتفاق الأمريكي–التايواني الذي رفضته بكين علنًا، كاختبارات مباشرة لحدود الهدنة.

أخبار ذات علاقة

رقائق إنفيديا

الحظر الصيني يجبر مورّدي مدخلات "رقائق إنفيديا" على تعليق الإنتاج

إعادة ضبط الصراع

تُظهر مقاربة واشنطن وبكين للهدنة الحالية أنها أقرب إلى إدارة صراع طويل الأمد منها إلى تسوية مستدامة.

فالولايات المتحدة أبقت على قيود تكنولوجية صارمة، خصوصًا في القطاعات الحساسة المرتبطة بالرقائق المتقدمة وسلاسل الإمداد الصناعية، بينما واصلت الصين البحث عن مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكي وتخفيف أثر القيود الغربية.

وقال مصدر دبلوماسي أمريكي لـ"إرم نيوز"، إن "بلاده لا تتعامل مع الهدنة بوصفها نهاية للحرب التجارية، بل كمرحلة إعادة تموضع تكتيكي تسمح بتقليص الخسائر الداخلية، مع الحفاظ على أوراق ضغط كافية لمواجهة الصين إذا لزم الأمر".

وأضاف المصدر، أن "التنافس لم يتوقف، ولكنه انتقل من الرسوم الجمركية المباشرة إلى مساحات أكثر حساسية وتأثيرًا".

وأعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في زيارة رسمية لبكين، التوصل إلى اتفاق تجاري أولي مع الصين يهدف إلى خفض الرسوم الجمركية المتبادلة وإزالة العوائق التجارية بين البلدين، بعد سنوات من التوتر العلني في العلاقات.

ويشمل الاتفاق خفض رسوم الصين على صادرات كندا مثل بذور الكانولا من نحو 84% إلى نحو 15% بحلول مارس/آذار المقبل، وفي المقابل تسمح كندا بدخول 49 ألف سيارة كهربائية صينية بتعريفات تفضيلية.

كما كان جانب العلاقة بين بكين وأوتاوا محور نقاشات حول "شراكة استراتيجية جديدة" تشمل قطاعات الطاقة والزراعة والعلاقات بين الشعوب.

وفي الوقت نفسه، أكدت واشنطن التوصل إلى اتفاق تجاري بارز مع تايوان يضمن خفض الرسوم الجمركية على السلع التايوانية إلى 15% بدلًا من 20%، مع التزام استثمارات ضخمة من شركات تايوانية، من بينها نحو 250 مليار دولار في قطاعات أشباه الموصلات والطاقة والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

ويمنح الاتفاق تايوان معاملة مماثلة لحلفاء كبار مثل اليابان وكوريا والاتحاد الأوروبي، ويتضمن تسهيلات جمركية واسعة لمنتجات محددة، كما يرتبط بآلية استثمارات متبادلة تشبه اتفاق تجارة حرّة.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الصيني شي ورئيس الوزراء الكندي كارني.

اتفاق "أولي" بين كندا والصين لخفض الرسوم الجمركية

شراكات انتقائية

وفي هذا الإطار، يكتسب الاتفاق التجاري بين الصين وكندا أهمية تتجاوز طابعه الثنائي، فبالنسبة لبكين، يشكّل هذا الاتفاق وفق مصادر "إرم نيوز" رسالة مزدوجة: "الأولى إلى الداخل، بأن الاقتصاد الصيني لم يُحاصر كما كان يُراد له؛ والثانية إلى واشنطن، بأن الصين قادرة على تفكيك الضغوط عبر شراكات انتقائية".

أما من الجانب الكندي، فيعكس الاتفاق محاولة واضحة لتنويع الشركاء التجاريين في ظل عالم بات أقل استقرارًا وأقل ضمانًا للاعتماد الأحادي على السوق الأمريكي.

غير أن هذا التقارب لا يعني قطيعة مع واشنطن، وإنما إعادة ضبط محسوبة للمصالح.

وفي واشنطن، يُنظر إلى هذا الاتفاق بحذر؛ فالمصدر الدبلوماسي الأمريكي لا يصفه "تهديدًا مباشرًا للهدنة"، لكنه يعتبره "مؤشرًا على تحركات صينية تهدف إلى تقليص فاعلية أدوات الضغط الأمريكية إذا ما تقرر إعادة التصعيد".

وأشار المصدر، إلى أن "المقاربة الحالية لواشنطن تقوم على إدارة التنافس، وأن الهدنة وُضعت أصلًا لتفادي كلفة سياسية واقتصادية داخلية كانت تتصاعد بوتيرة يصعب احتواؤها، لا سيما في قطاعات الصناعة وسلاسل التوريد".

وأضاف أن "الإدارة الأمريكية خلصت إلى أن المواجهة الجمركية الواسعة لم تعد الأداة الأكثر فاعلية، لأنها تفرض أثمانًا داخلية لا تقل عن تلك التي تُلحقها بالاقتصاد الصيني".

وتابع المصدر، أن "التحول نحو أدوات ضغط أقل مباشرة لا يعني تخفيف حدة الصراع، بقدر ما يعني إعادة صياغته ضمن مساحات أكثر انتقائية، تشمل التكنولوجيا المتقدمة، والاستثمار، وإعادة تنظيم سلاسل القيمة العالمية".

وأشار إلى أن "هذا التحول يمنح واشنطن مرونة أكبر في ضبط إيقاع التنافس، ويقلل من النظر إلى الصراع باعتباره مواجهة صفرية سريعة النتائج".

الاقتصاد عند تخوم السيادة

وعلى الضفة الأخرى، يأتي الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة وتايوان ليضع الهدنة تحت اختبار أكثر حساسية.

فالملف التايواني بالنسبة لبكين يُعد مسألة سيادة من الدرجة الأولى، ولا يُقاس بمعايير اقتصادية بحتة.

وترى الصين أن أي اتفاق تجاري مع تايوان يتجاوز الطابع التقني أو الإجرائي ويدخل في نطاق إعادة تعريف الوضع السياسي والاقتصادي للجزيرة، وهو ما تعتبره انتهاكًا مباشرًا لمبدأ "الصين الواحدة".

ولهذا جاء الرفض الصيني للاتفاق الأمريكي–التايواني حادًا وسريعًا، ومقرونًا بتذكير متكرر بأن الاقتصاد لا يمكن فصله عن السياسة في هذا الملف.

وأكد مصدر دبلوماسي صيني لـ"إرم نيوز"، أن "بكين تنظر إلى الاتفاق كجزء من مسار أوسع تسعى فيه واشنطن إلى إعادة تشكيل التوازن الاقتصادي والتكنولوجي في آسيا على حساب الصين، مستخدمة تايوان كنقطة ارتكاز مركزية".

وتابع المصدر، أن "الهدنة التجارية مع الولايات المتحدة لا تعني، من وجهة النظر الصينية، قبولًا بإعادة رسم قواعد المنافسة من طرف واحد".

وشدد على أن "بكين تعاملت مع الهدنة كآلية لاحتواء التصعيد وليس كتنازل استراتيجي".

وأوضح المصدر، أن "الصين تراقب بدقة التحركات الأمريكية في آسيا، لا سيما تلك التي تمس سلاسل التوريد والتكنولوجيا المتقدمة، لأنها تمس جوهر موقع الصين في الاقتصاد العالمي".

وأضاف أن "الاتفاق الأمريكي–التايواني يُنظر إليه في بكين كجزء من نمط أوسع، تسعى من خلاله واشنطن إلى نقل التنافس من ساحته المباشرة إلى ساحات جانبية عبر شركاء إقليميين، بما يقلل كلفة المواجهة المباشرة ويرفع كلفة الصمت الصيني".

وتكشف هذه التطورات أن الحرب التجارية لم تنتهِ، وإنما دخلت مرحلة جديدة أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا. فبدلاً من تبادل الرسوم الجمركية على نطاق واسع، بات الصراع يُدار عبر إعادة هندسة سلاسل التوريد، وتوقيع اتفاقات انتقائية مع أطراف ثالثة، واستخدام الاقتصاد كأداة ضغط سياسي غير مباشر.

من تجميد الخسائر إلى ضبط الإيقاع

بدوره، يرى مايكل هاريس، الباحث الأمريكي في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية، أن الهدنة التجارية بين واشنطن وبكين "لم تكن مشروع تهدئة حقيقي، إذ كانت نتيجة تعب متبادل ورغبة في تجميد الخسائر دون معالجة جذور الصراع".

وأوضح هاريس لـ"إرم نيوز"، أن "الخطأ الشائع في قراءة المرحلة الحالية يكمن في التعامل مع الاتفاقات التجارية الأخيرة باعتبارها تطورات تقنية، بينما هي في الواقع إشارات سياسية ذات حمولة اقتصادية عالية".

ويذهب إلى أن "الاتفاق الأمريكي–التايواني لا يمكن فهمه خارج سياق إعادة بناء النفوذ الأميركي في آسيا عبر الاقتصاد دون المواجهة المباشرة، فواشنطن لم تعد تراهن على كسر الصين عبر الرسوم الجمركية الواسعة، إنما عبر إعادة توجيه القيمة المضافة العالمية نحو فضاءات تعتبرها أكثر أمانًا سياسيًا".

في المقابل، لا يرى هاريس في الاتفاق الصيني–الكندي تهديدًا فوريًا للمصالح الأمريكية، لكنه يعتبره تطورًا مزعجًا على المدى المتوسط، لأنه يكشف قدرة بكين على تفكيك فكرة الاصطفاف الاقتصادي الصارم التي سعت واشنطن إلى تكريسها.

إدارة التنافس طويل الأمد

بدوره، يشير الباحث الصيني ليو شياو تشن، المتخصص في العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي، إلى أن "بكين لم تعد تتعامل مع الحرب التجارية كأزمة طارئة، بل كحالة بنيوية طويلة الأمد تتطلب توسيع هامش الحركة بدل المواجهة المباشرة".

أخبار ذات علاقة

علما تايوان والصين

الصين تعارض الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة وتايوان

ويرى ليو لـ"إرم نيوز"، أن "الاتفاق مع كندا جزء من استراتيجية صينية أوسع تهدف إلى إعادة توزيع الاعتماد التجاري، لا إلى تحدي الولايات المتحدة بشكل مباشر. فالصين لا تسعى حاليًا إلى استبدال السوق الأمريكي، بل إلى تقليص قدرته على التحول إلى أداة ابتزاز سياسي، ما يجعل الاتفاقات مع دول متوسطة القوة ذات قيمة استراتيجية تتجاوز أرقام التجارة".

أما الاتفاق الأمريكي–التايواني، فينظر إليه ليو على أنه "نقطة توتر مختلفة النوع، لأنه يربط بين الاقتصاد ومسألة لم تحسمها الصين سياسيًا بعد".

واعتبر أن "خطورة هذا الاتفاق تكمن في كونه يرسّخ منطق التعامل مع تايوان كفضاء اقتصادي مستقل في سلاسل الإنتاج العالمية، وهو ما تعتبره بكين مسارًا تراكميًّا يصعب التراجع عنه إذا تُرك دون رد".

ومع ذلك، لا يتوقع ليو أن تدفع هذه التطورات الصين إلى كسر الهدنة التجارية قريبًا، فهي تدرك أن العودة إلى المواجهة الجمركية المفتوحة ستعيد إنتاج أضرار سبق اختبارها.

وبدلًا من ذلك، يرجّح "استمرار سياسة الردود المحسوبة، مع توسيع الاستثمار في مسارات بديلة تقلل من حساسية الاقتصاد الصيني تجاه الضغوط الأمريكية".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC