logo
العالم

إعادة تأهيله تحتاج ‎200 مليار دولار.. هل تورطت واشنطن في مستنقع النفط الفنزويلي؟

يقف صياد على شاطئ بحيرة ملوثة بالنفط في فنزويلاالمصدر: (أ ف ب)

على الرغم من إعلان الرئيسة الانتقالية الفنزويلية ديلسي رودريغيز عن توقيع اتفاقيات استثمارية بقيمة 1.4 مليار دولار للاستثمار في مجال النفط، فإنّ تقديرات المؤسسات الطاقية تؤكد أنّ إعادة تأهيل القطاع تتطلب ميزانية ضخمة لا تقل عن 200 مليار دولار، بعد أن عانت حقول وآبار البترول من عقدين من الإهمال، ما حوّلها إلى "بؤر" تلوّث بيئي ومناخي خطيرة.

ويمثّل الواقع النفطي الفنزويلي كابوسا حقيقيا يؤرّق إدارة الرئيس دونالد ترامب، إذ انتقل من "فرصة" و"منحة"، إلى "محنة" ومعضلة كبرى.

الكارثة النفطية الفنزويلية

ولم تحسن الإدارة بما فيها من مستشارين اقتصاديين، قراءة واقع النفط الفنزويلي، ولا استقراء حال القطاع النفطي برمته، الذي يعاني من ترهلات بنيوية واهتراء شبه كامل، وبات يُسبب تلوّث البيئة والمحيط.

وتشير التقديرات الواردة من واشنطن إلى أنّ إدارة ترامب تفاجأت بواقع القطاع النفطيّ الفنزويلي والذي فاق أكثر التصورات تشاؤمًا.

ويبدو أنّ واشنطن التي كانت تراهن على البترول الفنزويلي لتغيير التوازنات الاستراتيجية وتضييق الخناق على موسكو وبكين، "تغرق" اليوم في مستنقع حقول النفط المتهالكة والمهترئة.

وتؤكّد التقديرات الإستراتيجية الصادرة عن شركات ومؤسسات أمريكية أنّ ميزانية تأهيل القطاع النفطي الفنزويلي تتراوح ما بين 183 و200 مليار دولار.

وتفيدُ المصادر الاقتصادية المطلعة في كاراكاس بأنّ إعلان رودريغيز عن توقيع اتفاقيات استثمارية في المجال النفطي تبلغ قيمتها الجملية 1.4 مليار دولار، لا يُمثل (أي هذا المبلغ) غير قطرة من محيط "الكارثة" النفطية المحيقة بفنزويلا.

وتضيف أنّ "الفتور" الواضح والجلي الذي أبدته المؤسسات النفطية العملاقة حيال الاستثمار في فنزويلا، له ما يبرره واقعيا، سيما وأنّ البعض منها كان موجودا على عين المكان، وشاهد بدايات الانهيار القطاعي منذ 2007.

وتشدد على أنّ العروض التي تقدمها واشنطن لهذه الشركات لن تجدي نفعا، ما لم تتحمّل واشنطن ومعها كاراكاس بدرجة أقل، ميزانية "إعادة" إعمار القطاع النفطي برمته.

وتشير المصادر إلى أنّ "الانتقال النفطي" يمثل الاستحقاق الأساسي لفنزويلا، وهو ملف أكثر أهمية من الانتقال الديمقراطي والحقوقي الذي تطالب به المعارضة الفنزويلية، فبإعادة إعمار القطاع يمكن فقط إعادة بناء الاقتصاد، وإصلاح ما يمكن إصلاحه في البلاد.

جغرافيا نفطية "متهالكة"

وعند استقرائها لواقع القطاع النفطي، تكشف المصادر المطلعة في العاصمة الفنزويلية كاراكاس عن كارثة نفطية وبيئية حقيقية؛ فوفقا لتقارير على غرار تقرير منظمة "ديسكافيري ألتر" الدولية وغيرها من المنظمات الأخرى، فإنّ بُحيرة "ماراكايبو" في ولاية "زوليا"، تُمثّل بؤرة للانهيار الميكانيكي، إذ تضم البحيرة شبكة أنابيب متهالكة تحت الماء تمتد لأكثر من 15 ألف كيلومتر.

وتؤكد التقارير الدولية أنّ التسرب اليومي المستمر يتراوح بين 500 إلى 1000 برميل نفط، الأمر الذي أدى إلى ظهور طبقات "المد الأخضر" الناجمة عن التلوث المختلط بالصرف الصحي والنفط.

وتضيف أنّ هناك أكثر من 80 منصة بحرية مهجورة وتحتاج إلى تفكيك فوري لمنع غرقها الكلي ما قد يتسبب في كارثة ملاحية وبيئية.  

أمّا حزام "أورينوكو"، فقد أصبح عبارة عن بؤرة للانبعاثات القاتلة، وفق توصيف العديد من التقارير الإعلامية الغربية.

ووفق تحليل صادر مؤخرا عن جريدة "ذي غاريان" البريطانية حول أثر نفط فنزويلا على ميزانية الكربون، فإنّ هذا الحزام ينتج النفط الثقيل جدّا، وهو النوع الأكثر "تلوّثا" و"تلويثا" في العالم.

وحسب التقرير فإنّ كثافة الكربون في نفط "أورينوكو" تبلغ 1460 كيلوغراما من ثاني أكسيد الكربون لكل برميل، وهو ما يعادل 1000 ضعف كثافة النفط النرويجي (1.6 كيلو غرام عن كل برميل).

وحذرت تقارير مناخية من أنّ خطط التوسع في إنتاج هذا النفط قد تستهلك وحدها 13 % من ميزانية الكربون العالمية المتبقية للحدّ من الاحتباس الحراري والذي يبلغ اليوم 1.5 درجة مئوية.

بعض المصادر المناخية العاملة في كاراكاس تشير إلى أنّ عمليات الحرق في الحقول المهملة تطلق كميات ضخمة من مادة "الميثان"، الأمر الذي يجعل إعادة تشغيل هذه الحقول دون تكنولوجيا نظيفة كارثة مناخية حقيقية.

وتضيف أنّ مُجمّع "باراغوانا" للتكرير يعاني من تسربات نفطية وكيميائية مستمرة في البحر الكاريبي نتيجة تعطل وحدات المعالجة في مصفاتيْ "أماواي" و"كاردون".

الواقع الكارثي للقطاع النفطي لا يقف عند هذا الحدّ، فحسب جهات إعلامية ميدانية مطلعة فإنّ حالة الأنابيب والمصافي والمضخات "كارثية"، وتستوجب الاستبدال الفوريّ، بعد أن استحالت أقرب إلى "الخردة" منها إلى البنية التحتية البترولية. 

أخبار ذات علاقة

زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو.

ترامب "يراوغ".. عودة ماتشادو تهدد خطط فتح سوق النفط الفنزويلي

"ميزانيات دول" لإصلاح النفط الفنزويلي

حيال كل ما سبق ذكره، قدّرت تقارير من مؤسسات دولية على غرار "ريستياد إينيرجي" التكلفة الجملية لإعادة تأهيل القطاع النفط الفنزويلي بـ183 مليار دولار.

وحسب دراسات ومصادر مطلعة ومتقاطعة فإنّ ميزانية "منع انهيار" المنصات المهترئة تبلغ نحو 53 مليار دولار، وهي عبارة عن ميزانية "طوارئ" للحفاظ على الإنتاج الحالي وتأمين الحدّ الأدنى المقبول من البنية التحتية "القادرة على الاستمرار لمدّة 15 عاما القادمة.

أمّا بقية المبلغ فيتجه نحو استبدال الشبكات وتغيير المنصات والأنابيب، حيث باتت الحاجة ماسة إلى تبديل ما بين 40 إلى 60 % من شبكة الأنابيب الوطنية التي تآكلت بفعل الصدأ والتسربات الكيميائية.

كما يستهدف الباقي معالجة بُحيرة "ماراكايبو"، وتفكيك 80 منصة بحيرة على الأقل أصبحت تشكل خطرا ملاحيا وبيئيا داهما.

ووفقا لمؤسسة "ريستياد إينيرجي" فإنّ مبلغ 183 مليار دولار يُعد شرطا لرفع الإنتاج إلى 3 ملايين برميل يوميا بحلول 2040.

ولا تختلف مؤسسات طاقية أخرى كثيرا في تقدير ميزانية تأهيل النفط الفنزويلي، حيث تشير إلى أنّ التكلفة تناهز الـ200 مليار دولار.

تكلفة بيئية باهظة

وفي قراءتهم لهذه الأرقام، يؤكد الخبراء أنّ البرود الذي تواجه به المؤسسات النفطية العملاقة الدعوات المتكررة لإدارة ترامب إلى الاستثمار في النفط الفنزويلي، يرجع إلى "التكلفة البيئية المرتفعة" الواجب دفعها قبل الاستفادة من النفط.

وهي تكلفة عامّة، تبدأ من إصلاح البنية التحتية، واستصلاح البيئة، وتنظيف النفط الفنزويلي الثقيل والملوّث، قبل البحث له عن سلاسل توريد وتصدير وعن أسواق عالمية في بيئة اقتصادية واستثمارية متنافسة بشكل شرس.

إذ يعاني "النفط الفنزويلي" من مشاكل "طبيعية"، فهو لزج وحمضي، واستخراجه يتطلب طاقة هائلة من تقنية "حقن البخار"، ما يجعله عدوا للبيئة والمناخ.

ويجب أن يتضمن الاستثمار الجديد تقنيات "احتجاز الكربون وتخزينه" وهي تقنيات ترفع التكلفة بنسبة 30 بالمئة في أقلّ تقدير.

في الأثناء، لا يبدو أنّ إدارة ترامب في طور التفكير في رفع يدها عن النفط الفنزويلي، حيث تشير المصادر الأمريكية إلى أنّ ترامب شرع في خطوات استثمارية واقتصادية ذكية لحثّ الشركات النفطية على الاستثمار في فنزويلا.

وفي هذا السياق، ألمحت واشنطن إلى أنّ منح التراخيص الموسعة للشركات الكبرى قد يرتبط بمدى التزامها بعمليات التنظيف وتأمين الأنابيب المتهالكة لتجنب كارثة التسرب النفطي على سواحل الكاريبي.

كما أعلنت الإدارة في وقت سابق أنها بدأت في استلام شحنات نفط تناهز 50 مليون برميل، كتعويضات عينية للشركات الأمريكية التي وقع تأميم ممتلكاتها سابقا (بقرار من هوغو تشافيز في 2007)، وكضمانات أولية لتمويل عمليات الإصلاح.

إضافة لهذا، سعت إدارة ترامب إلى طمأنة الشركات العالمية بأنّها ستتعامل معها بشكل مباشر وحصريّ، ولا علاقة لحكومة ديلسي رودريغيز أو لمن سيعقبها في سدّة السلطة في كاراكاس بها.

وعلى الرغم من هذه الوعود والحوافز، فإنّ الفتور لا يزال يطغى على مشهد تعاطي هذه الشركات مع النفط الفنزويلي، إذ يبدو أنها تنتظر – وفق بعض المراقبين- تدخلا أمريكيا مباشرا يُهيئ لها الميدان عبر تأهيل البنية التحتية النفطية، ليكون جني الثمار دون تحمّل شوك القطاف، وهو ما ترفضه إدارة ترامب شكلا ومضمونا.

أخبار ذات علاقة

مصفاة نفط تابعة لشركة النفط الفنزويلية الحكومية

برود وتحدّ لترامب.. لماذا يرفض "عمالقة النفط" الاستثمار في فنزويلا؟

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC