logo
العالم

فنزويلا.. تعريف "المرحلة الانتقالية" يشعل خلافا بين واشنطن ورودريغيز

ديلسي رودريغيز تستقبل لورا دوغوالمصدر: منصة إكس

لم يكن الاجتماع الاستثنائي بين رئيسة فنزويلا بالنيابة ديلسي رودريغيز وكبيرة الدبلوماسيين الأمريكيين الجديدة في كاراكاس، لورا دوغو، ودّيًا على الرغم من هدوئه الظاهر والصور البروتوكولية التي وثقت له، حيث يبدو أنّ تعريف "المرحلة الانتقالية" صار خطرًا سياسيًا قد يهدد المرحلة الانتقالية برمتها وقد يعيد الأمور في فنزويلا إلى نقطة الصفر.

وأشارت لورا دوغو، التي وصلت العاصمة الفنزويلية كاراكاس السبت، على منصة "إكس"، إلى أنها التقت بديلسي رودريغيز قبل اجتماع لاحق برئيس البرلمان خورخي رودريغيز، مؤكدة أنّ اللقاءين تمحورا حول المرحلة الانتقالية.

أخبار ذات علاقة

لورا دوغو أثناء اجتماع رسمي مع ديلسي رودريغيز

أول اجتماع رسمي بين رئيسة فنزويلا المؤقتة والمبعوثة الأمريكية

وجدّدت كبيرة الدبلوماسيين الأمريكيين في فنزويلا المراحل الثلاث للمرحلة الانتقالية التي ذكرها وزير الخارجية مارك روبيو خلال إحاطته في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، والمتمثلة في "الاستقرار"، و"التعافي الاقتصادي"، و"المصالحة والتحول الديمقراطي".

من جهتها، عينت رودريغيز وزير الخارجية السابق فيليكس بلاسينسيا رئيسًا للبعثة الدبلوماسية في الولايات المتحدة الأمريكية.

منعرج خطير

حيال هذا المشهد، يؤكد المراقبون أنّ الوضع في فنزويلا دخل منعرجًا سياسيًا خطيرًا، عنوانه الأساسي تعريف وتحديد مفهوم "المرحلة الانتقالية".

فعلى الرغم من اتفاق كافة الأطراف الفاعلة والمنخرطة في المشهد الفنزويلي، والمتمثلة أساسًا في الحكومة القائمة ومعارضة الداخل ومعارضة الخارج والولايات المتحدة الأمريكية، على أهمية نجاح المرحلة الانتقالية، إلا أنّها تختلف بشكل راديكالي في تعريف طبيعتها وتحديد خطواتها ومراحلها وضبط مستلزماتها.

ويؤكد المتابعون أنّ الاستحقاق السياسي الأهم في الوقت الراهن يكمن في الوصول إلى توافقات وتقاطعات مشتركة بين التعريفات الأربع للمرحلة الانتقالية الفنزويلية، في ظلّ التشرذم القائم بين الأطراف المذكورة، ما من شأنه تجنيب البلاد الدخول في دوامة من العنف السياسي المسلّح.

التعريف الأمريكي للمرحلة الانتقالية

وفي تشريحهم للتصور الأمريكي للمرحلة الانتقالية، تفيد المصادر الإعلامية والسياسية القريبة من واشنطن أنّ إدارة ترامب تعرف المرحلة الانتقالية وفق أربع مراحل كبرى، وهي:

أولًا، "الانتقال الطاقي"، عبر سيطرة الشركات الأمريكية على ملف البترول والهيمنة على خطوط الإمداد والتصدير، وبالتالي الحيلولة دون الاستفادة الإيرانية منه، وإيقاف الامتياز الصيني والروسي.

ثانيًا، "الانتقال الديبلوماسي"، بمعنى تحويل وجهة الديبلوماسية الفنزويلية من الطرح البوليفاري التشافيزي "التشبيك مع اليسار والاقتراب من موسكو وبيكين وطهران" إلى الفضاء الأمريكي الشمالي، عبر الانخراط في مسار المصالح والرؤى الأمريكية في المنطقة.

ثالثًا، "العدالة الانتقالية"، ممثلة في محاسبة المنخرطين في الاتجار بالمخدرات، وفي قضايا التعذيب، وفي انتهاكات حقوق الإنسان، دون تفكيك للمؤسستين الأمنية والعسكرية.

رابعًا، "تنظيم انتخابات عامة" بمشاركة سياسية وحزبية واسعة، تسمح للمعارضة بإمكانية التمثيل الوازن في البرلمان وفي مقعد رئاسة الجمهورية.

وفق هذه الرباعية، تعترف واشنطن برودريغيز رئيسة للفترة الانتقالية التي ستمتد ستة أشهر قبل خوض الانتخابات الرئاسية والتشريعية في البلاد.

تعريف رودريغيز

أمّا بالنسبة لحكومة رودريغيز، فإنّ "المرحلة الانتقالية" تتمثل في ثلاث نقاط أساسية: إطلاق حوار سياسي شامل وكامل مع المعارضة، وإقرار قانون العفو العام، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية عامة في منتصف 2026.

ترفض ديلسي رودريغيز أي نقاش حول مستقبل حزب مادورو (الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي) أو تفكيك البنية الأيديولوجية للمؤسسة الرسمية البوليفارية.

والأهم من ذلك أنّها ترفض تحويل ملف المحاسبة، والذي من المفترض أن يشمل أفرادًا في المؤسسة الأمنية والعسكرية وحتى السياسية في البلاد، إلى مساءلة للمؤسسات الرسمية قد تفضي إلى تفكيكها، أو إلى منع مئات الآلاف من أعضاء حزب مادورو من حقهم في المشاركة في الحياة السياسية.

تعريف معارضة الداخل والخارج

وفي سياق متصل، تبني معارضة الداخل تعريفها للمرحلة الانتقالية حول خمس نقاط أساسية: "العدالة الانتقالية أساسًا أي المحاسبة قبل المصالحة"، "تحويل البوليفارية من أيديولوجيا دولة إلى أيديولوجيا حزب"، "تحجيم الأدوار السياسية لحكومة رودريغيز"، "الحوار السياسي الشامل والكامل"، و"الانتخابات الديمقراطية تحت رقابة دولية وأممية".

أمّا معارضة الخارج، ممثلة في ماريا كورينا ماتشادو، فلها تعريف قصووي للمرحلة الانتقالية، حيث تريد أن تفكك بنية النظام برمته، وأن تكون بمثابة النهاية الحقيقية للبوليفارية سواء كأيديولوجيا دولة أو كأيديولوجيا حزب، وأن تلقى ديلسي رودريغيز وأعضاء حكومتها وقادة المؤسستين العسكرية والأمنية نفس مصير نيكولاس مادورو، باعتبارهم أعضاء في نفس منظومة المتاجرة بالمخدرات.

كما تريد أن تؤدي المرحلة الانتقالية إلى انتخابات عامة لا يشارك فيها أي طرف من الأطراف القريبة من منظومة مادورو، ناهيك عن الأطراف الفاعلة فيها.

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

ترامب: لم نناقش بعد حصة فنزويلا من عائدات نفطها

وفي هذا السياق، نقلت مصادر إعلامية فنزويلية عن ماتشادو إعرابها عن موافقتها للقاء رودريغيز من أجل تبادل الأفكار بشأن الجدول الزمني للمرحلة الانتقالية، واصفة حكومة رودريغيز بأنها "مافيا".

ويؤكد هذا التصريح الطرح المتطرّف لماتشادو، ذلك أنّها حصرت اللقاء بهدف وحيد هو تحديد جدول زمني لتسليم السلطة لا غير.

حيال كل ما تقدّم، من الواضح أنّ كافة الأطراف لها تعريف خاص بها للمرحلة الانتقالية، وهي تعريفات تخفي وراءها أهدافًا سياسية محددة وتتخفى وراءها تصوراتها للسيناريوهات القائمة والقادمة.

إدارة الملف وفق الإرادة الأمريكية

في هذا المستوى التفسيري، يؤكد المتابعون للشأن الفنزويلي أنّ إدارة هذا الملف تبقى في جزء كبير منه خاضعة للإرادة الأمريكية، التي لا تعرّف المرحلة الانتقالية في فنزويلا كمرحلة اقتصادية سياسية إقليمية ودولية متكاملة فحسب، ولكنها انطلقت أيضًا في تطبيق تعريفها الخاص للمرحلة الانتقالية.

ولئن نجحت بمستويات كبيرة ومتقدمة في تحقيق الانتقال الطاقي، فإن تفكيك المنظومة البوليفارية، الناعمة منها والصلبة، وتحويل وجهة كاراكاس عن بكين وموسكو لا يزال بعيد المنال.

يشير المراقبون للشأن الفنزويلي إلى أنّ واشنطن لا تريد استنساخ النموذج العراقي في فنزويلا، حيث أدّى قرار حل حزب البعث وتفكيك المنظومتين العسكرية والأمنية إلى إدخال البلاد في أتون حرب أهلية قاسية، ولا تريد ترك السلطات في يد الطغمة السياسية والعسكرية من "فلول" الرئيس المغدور به نيكولاس مادورو.

في المقابل، تدرك ديلسي رودريغيز هذا المطمح الأمريكي، فتلوّح تارة بورقة العفو العام وأخرى بالحوار السياسي، للتأكيد لواشنطن بأنّ عهد مادورو قد ولّى، ولمعارضة الداخل بأنّ صفحة جديدة قد فتحت، ولجمهور مادورو بأنّ البوليفارية مستمرة ومتواصلة سواء بمادورو أو دونه.

وفي الأثناء، تبقي رودريغيز عينها على كرسي السلطة في كاراكاس، حيث لا يزال أمامها نصف سنة فقط قبل أن تصبح المرحلة الانتقالية مرحلة شرعية، وتصير "حكومة تصريف الأعمال" حكومة قائمة بقوة الاقتراع، وتصبح "الرئيسة بالنيابة" رئيسة بصناديق الاقتراع في انتخابات ديمقراطية تحت أنظار المراقبين الدوليين وبمشاركة المعارضين، الراديكاليين منهم و"البراغماتيين".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC