عاد حلم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشراء غرينلاند ليتصدر المشهد السياسي الأمريكي من جديد، بعد أن أكد البيت الأبيض أن الرئيس يدرس "بنشاط" إمكانية "الاستحواذ" على أكبر جزيرة في العالم.
السؤال الذي يشغل الخبراء والاقتصاديين: كم يمكن أن تكلف هذه الصفقة العقارية الضخمة؟
التقديرات تتراوح بين 200 مليون دولار وتريليون دولار كامل، فيما تواجه الفكرة برمتها عقبات قانونية ودبلوماسية هائلة، في ظل رفض دنماركي وأوروبي قاطع لبيع الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1979.
في السابع من يناير كانون الثاني 2026، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن دونالد ترامب يدرس "بنشاط" مع فريقه إمكانية "شراء" غرينلاند، الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي، لضمان "الأمن القومي" الأمريكي.
ورفضت ليفيت مرة أخرى استبعاد الخيار العسكري للحصول على الجزيرة، وهو ما قوبل برفض قاطع من القادة الدنماركيين والعديد من المسؤولين الأوروبيين، الذين أكدوا بشدة أن الجزيرة "ليست للبيع".
هذه الفكرة ليست جديدة على الإطلاق، فخلال ولايته الأولى عام 2019، كان الملياردير الأمريكي قد أعرب عن رغبته في شراء أكبر جزيرة في العالم، في ما وصفته صحيفة "وولستريت جورنال" حينها بـ"صفقة عقارية ضخمة".
السؤال قد يبدو معقدًا، لكن الإجابة بسيطة نسبيًا. من منظور القانون الدولي، لا شيء يمنع هذا النوع من الصفقات التي أصبحت نادرة للغاية، ما دامت الأطراف المعنية متفقة.
آخر عملية من هذا النوع، قبل أكثر من قرن، كانت تشمل الولايات المتحدة والدنمارك بالفعل. ففي عام 1917، اشترت واشنطن جزر فيرجن من المملكة الدنماركية.
تكرار مثل هذا السيناريو يثير العديد من التساؤلات. وتقول نيكي ألوبي، أستاذة القانون الدولي العام في جامعة باريس الثانية بانتيون-أساس، في تصريحات لصحيفة "ليبراسيون": "شراء دولة بأكملها قد يفقدها سيادتها ويؤدي إلى اختفائها".
العائق الرئيس أمام هذا النوع من العمليات هو القانون الداخلي لكل بلد. في حالة غرينلاند، التي حصلت على وضع مجتمع ذاتي الحكم ضمن المملكة الدنماركية عام 1979، ستتطلب هذه الصفقة تعديلات دستورية دنماركية، وموافقة البرلمان الغرينلاندي، والأهم من ذلك، موافقة الغرينلانديين أنفسهم.
من الجانب الأمريكي، ستتطلب العملية تمويلًا مصدَّقًا عليه من الكونغرس وموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهي أغلبية يُعتبر تحقيقها صعبًا.
علاوة على ذلك، كما تذكّر هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، "يجب على الاتحاد الأوروبي أيضًا الموافقة على الاتفاق".
رغم أن مبلغ شراء غرينلاند من قبل الولايات المتحدة يظل تخمينيًا، هناك شيء واحد مؤكد: المبلغ المطلوب سيكون بعيدًا كل البعد عن العرض الذي قدمته واشنطن عام 1946، والذي اقترح 100 مليون دولار للجزيرة، أي ما يزيد على 1.6 مليار دولار اليوم بعد احتساب التضخم.
في عام 2019، بعد إعلانات ترامب الأولى، أجرت صحيفة "واشنطن بوست" تقديرات أولية، اعتمدت على شراء ألاسكا من روسيا عام 1867.
بما أن الولايات المتحدة اشترت ألاسكا مقابل 7.2 مليون دولار، أي نحو 130 مليون دولار (بأسعار 2019)، فإن غرينلاند -الأكبر بنحو 1.5 مرة- ستتطلب زيادة "هذا السعر بنسبة 50%، ما يعادل نحو 200 مليون دولار".
في صحيفة "نيويورك تايمز"، غامر ديفيد بيكر، الاقتصادي السابق في الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، في يناير 2025 بإجراء تقديرات، بناءً على آخر أسعار بيع معروفة للأراضي التي اشتراها الأمريكيون.
جاء ذلك مع الحرص على "تعديلها وفقًا للتغير الاسمي في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة أو الدنمارك لمراعاة التضخم والنمو الاقتصادي معًا".
حدّد الاقتصادي نطاقًا يتراوح بين 12.5 مليار دولار وسعر أقصى قدره 77 مليار دولار. لكن هذا المبلغ "السقفي" قُدّر بأكثر من تريليون دولار وفقًا لبعض المصادر، مثل "وول استريت جورنال".
تحاول منهجيات أخرى حساب وتحديد ثمن الموارد الموجودة على الأراضي الغرينلاندية، الغنية خصوصًا بالمعادن. لكن هذه التقديرات غير دقيقة وتحتوي على تحيزات، خاصة في مقارنة الأسعار المقابلة لفترات سياسية واقتصادية مختلفة عن تلك التي نشهدها اليوم.
يبقى حلم ترامب بشراء غرينلاند مجرد فكرة عالقة بين الطموح السياسي والواقع القانوني والدبلوماسي، مع فاتورة لا يمكن تحديدها بدقة، تتراوح بين مئات الملايين وتريليون دولار كامل.