أكد خبراء إستراتيجيون ومختصون في العلاقات الدولية، أن التحركات الروسية المتسارعة في القطب الشمالي من خلال تعزيز القواعد العسكرية وتوسيع السيطرة على طرق الملاحة هناك إلى جانب التغلغل الصيني الهادئ عبر الاستثمارات ومشاريع التعدين، دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة تقنيين موقع غرينلاند ضمن معادلة أمنها القومي.
وأوضحوا لـ"إرم نيوز"، أن الصراع على غرينلاند الذي هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضمها، ليس أحادي البعد، بل هو مزيج من أحكام النفوذ العسكري والفوز بموارد طبيعة تختلف فيه أولويات القوى الكبرى، من أمن وردع في المقام الأول بالنسبة للولايات المتحدة، ويدخل ضمن السيطرة الإستراتيجية الشاملة لروسيا، أما للصين فهو اختراق اقتصادي محسوب، مما جاء بتحول هذه الجزيرة الهادئة الى أحد مفاتيح إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي بالوقت الحالي.
وتعد غرينلاند، وهي جزيرة تتمتع بالحكم الذاتي ضمن المملكة الدنماركية، أكبر جزيرة في العالم وتقع في شمال المحيط الأطلسي والقارة القطبية الشمالية، وتمتلك مواردَ طبيعية كبيرة وإستراتيجية موقعية مهمة، ما يجعلها محل اهتمام سياسي وجيوستراتيجي دولي.
وفي حين أكد رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، أن على الولايات المتحدة أن تسعى إلى إجراء حوار يتسم بالاحترام مع الجزيرة، حذّرت رئيسة وزراء الدنمارك متة فريدريكسن، من أن "كل شيء سينتهي"، إذا ما شنت واشنطن هجوماً على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، فيما ذكرت صحيفة "بوليتيكو" مؤخرا، أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي تعمل على الاستعداد لمواجهة مباشرة مع ترامب في ظل رغبته بضم غرينلاند.
وأفادت نقلاً عن دبلوماسي أوروبي، قوله: "يجب أن نكون مستعدين لمواجهة مباشرة مع ترامب.. إنه متعطش للصدام، ويجب أن نكون في حالة استعداد كامل".
وقال الخبير في الشؤون الإستراتيجية، الدكتور طلعت سلامة، إن جزيرة الجليد أشعلت سباق النفوذ العالمي، حيث لم يعد القطب الشمالي مجرد فضاء جغرافي متجمد بل تحول إلى أحد أكثر ساحات الصراع الجيوسياسية بالعالم، وفي قلب هذا المشهد، برزت غرينلاند باعتبارها نقطة ارتكاز إستراتيجية تتقاطع عندها مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين.
وأوضح لـ"إرم نيوز"، أن التحركات الروسية المتسارعة في القطب الشمالي من خلال تعزيز القواعد العسكرية وتوسيع السيطرة على طرق الملاحة هناك إلى جانب التغلغل الصيني الهادئ عبر الاستثمارات ومشاريع التعدين، دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة تقنيين موقع غرينلاند ضمن معادلة أمنها القومي.
واعتبر الدكتور سلامة أن الجزيرة الواقعة بين أمريكا الشمالية وأوروبا، تمثل خط الدفاع الأول عند شمال الأطلسي ومركزاً حيوياً للإنذار المبكر ومراقبة التحركات الروسية، أما بالنسبة للولايات المتحدة الآن، تحتل غرينلاند الأهمية العسكرية التي تجعلها في الصدارة حيث تعد حلقة أساسية في منظومة الردع والدفاع مع اهتمام متزايد بمواردها من المعادن النادرة التي تسعى واشنطن من خلالها إلى تقليص الاعتماد على الصين في ذلك.
وبيّن أن موسكو تنظر إلى الجزيرة في سياق الصراع على الهيمنة في القطب الشمالي على اعتبارها جزءاً من معركة النفوذ مع الغرب، حيث يتداخل البعد العسكري مع الطموح الاقتصادي المرتبط بالطاقة والممرات البحرية الجديدة، وفي المقابل تعتمد الصين إستراتيجية مختلفة، حيث تركز على تعميق النفوذ الاقتصادي طويل الأمد هناك عبر الاستثمارات في التعدين والبنية التحتية، ضمن ما يعرف بطريق "الحرير الجليدي".
ويجد الدكتور سلامة أن الصراع على غرينلاند ليس أحادي البعد بل هو مزيج من أحكام النفوذ العسكري والفوز بموارد طبيعة تختلف فيه أولويات القوى الكبرى، من أمن وردع في المقام الأول بالنسبة للولايات المتحدة، ويدخل ضمن السيطرة الإستراتيجية الشاملة لروسيا، أما للصين فهو اختراق اقتصادي محسوب، مما جاء بتحول هذه الجزيرة الهادئة الى أحد مفاتيح إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي بالوقت الحالي.
بدوره قال أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور خالد شيات، إنه في ظل اختلاف الإستراتيجيات الجيوسياسية، ووجود قوى دولية متعددة تسعى إلى تعزيز نفوذها في هذه المنطقة الحيوية، لم يعد القطب الشمالي مجرد منطقة جغرافية نائية، بل تحول إلى محور اهتمام عالمي متسارع، وساحة صراع مستقبلي متجدد بين الدول الكبرى.
وأفاد لـ"إرم نيوز"، أن القطب الشمالي يضم ثروات طبيعية هائلة لم يتم استغلالها بعد، تشمل مجموعة واسعة من المعادن والموارد الطبيعية، وعلى رأسها الثروات الطاقوية التقليدية مثل النفط والغاز، إلى جانب معادن نادرة أخرى يُتوقع أن تكون عنصراً أساساً في تطوير التكنولوجيات المتقدمة مستقبلًا، ما يمنح المنطقة أهمية استراتيجية متزايدة على المستويين الاقتصادي والصناعي.
وبحسب الدكتور شيات، فإن الأهمية الاقتصادية للقطب الشمالي لا تقتصر على ذلك فقط، بل تمتد أيضًا إلى الممرات البحرية الجديدة التي بدأت تفرض نفسها نتيجة التغير المناخي وذوبان مساحات واسعة من الجليد.
ورجح أن تتحول تلك الممرات إلى شرايين رئيسة للتجارة الدولية، وتُسهم في إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، وهي معطيات دفعت إلى تصاعد تنافس القوى الكبرى، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وروسيا والصين، لتجسد بذلك غرينلاند، نموذجًا حيًا لهذا الصراع الجيوسياسي المتنامي.
وأشار الدكتور شيات إلى أن غرينلاند تحتل موقعًا إستراتيجيًا فريدًا، كونها تطل على القطب الشمالي، وقريبة من كندا والولايات المتحدة، وتقع في شمال المحيط الأطلسي بالقرب من أوروبا، فضلًا عن تبعيتها لمملكة الدنمارك، ما يجعلها محل اهتمام أوروبي وأمريكي في إطار موازنة النفوذ الروسي في المنطقة.
وذكر أن روسيا بدورها تمتلك أطول امتداد جغرافي على المحيط المتجمد الشمالي، وهو ما يمنحها أفضلية استراتيجية كبيرة، الأمر الذي يضع الصراع الأساس بالقطب الشمالي بين موسكو وواشنطن في ظل سعي الأخيرة إلى تعزيز وجودها هناك، وسط انتظار مدى حدوث توافق بين الولايات المتحدة والدنمارك والتوصل إلى تفاهمات جيوسياسية حول غرينلاند.
ونوه الدكتور شيات إلى أن المجال الأساس للصين في هذه المنطقة يعتمد على الطرق التي تتيحها روسيا أمامها، مثل ما يُعرف بـ"طريق الحرير القطبي"، في إطار سعيها للحفاظ على تفوقها الجيوسياسي، معتبراً أن التنافس حول القطب الشمالي سيظل أحد أبرز ملامح الصراع الدولي في المستقبل القريب.