وسط اشتعال شرارة الحرب الإيرانية واضطراب أسواق الطاقة، كُسر الصمت الدبلوماسي بين واشنطن وموسكو بمسار تفاوضي غير معلن؛ فبعد مكالمة هاتفية جمعت الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، انتقل الثقل التفاوضي إلى اجتماع رفيع المستوى لوفدي البلدين في فلوريدا.
هذا التقارب المفاجئ يثير تساؤلات حول صفقات محتملة خلف الأبواب المغلقة لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية وتأمين تدفقات النفط العالمية بعيداً عن حافة الهاوية.
البداية كانت في 9 مارس/ آذار عندما جرت مكالمة بين ترامب وبوتين وصفها الكرملين بأنها «صريحة وبنّاءة»، وأكد أنها جاءت بطلب من الجانب الأمريكي.
وتركزت المحادثات على تطورات الحرب ضد إيران، إضافة إلى المسار التفاوضي المرتبط بالحرب في أوكرانيا، وعرض بوتين تطورات الوضع العسكري على الجبهة الأوكرانية.
وصرح ترامب لاحقًا بأن بوتين يريد أن يكون «مفيدًا» في الملف الإيراني، وأنه أبلغه بأن بإمكانه أن يكون أكثر فائدة عبر إنهاء الحرب في أوكرانيا.
وبعد يومين فقط، في 11 مارس/ آذار، عُقد اجتماع ثنائي بين وفدين أمريكي وروسي في فلوريدا، دون إعلان جدول أعمال واضح، وضم الوفد الأمريكي شخصيات مقربة من ترامب، من بينها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ومستشار البيت الأبيض جوش غرونباوم، فيما ترأس الوفد الروسي كيريل دميترييف رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي.
وجاءت التصريحات الصادرة عن الجانب الأمريكي مقتضبة، حيث اكتفى ويتكوف بالقول إن الطرفين ناقشا «مجموعة متنوعة من القضايا» واتفقا على استمرار التواصل.
وكشف الجانب الروسي أن المحادثات تناولت أيضاً الوضع الحرج في أسواق الطاقة العالمية وإمكانية إطلاق مشاريع اقتصادية قد تسهم في استعادة العلاقات بين موسكو وواشنطن.
وجاء اختيار فلوريدا لعقد الاجتماع بعيدًا عن المؤسسات الرسمية في واشنطن، بينما تزامن اللقاء مع تأجيل جولة المفاوضات الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا إلى الفترة بين 16 و22 مارس/ آذار.
ويؤكد ألكسندر زاسبكين، الدبلوماسي الروسي السابق، أن استمرار الحوار بين الولايات المتحدة وروسيا يظل أمرا طبيعيا وضروريا مهما تعقدت الأزمات الدولية، معتبرًا أن التواصل بين القوتين لا يتوقف حتى في أكثر اللحظات توترًا.
وفي تصريحات لـ«إرم نيوز»، قال إن اتساع الحرب ضد إيران جعل من المنطقي أن تدخل هذه الأزمة ضمن جدول المباحثات بين موسكو وواشنطن؛ لأن تداعياتها لا تقتصر على الشرق الأوسط فحسب، بل تمتد إلى الأمن الدولي والتوازنات الاستراتيجية الأوسع.
وأشار زاسبكين إلى أن موسكو تنظر تقليديًا إلى نفسها باعتبارها طرفا يدفع باتجاه الحلول الدبلوماسية، موضحًا أن السياسة الروسية تقوم على مبدأ أساسي هو «إعادة الأطراف المتصارعة إلى طاولة التفاوض بدلاً من الانزلاق إلى مزيد من التصعيد العسكري».
وتابع: «ومن هذا المنطلق، تحاول روسيا الحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف المعنية بالأزمات الجارية، بما في ذلك القوى الإقليمية المتأثرة مباشرة بالحرب في المنطقة».
وأضاف الدبلوماسي الروسي السابق، أن هذه الاتصالات لا تهدف فقط إلى تبادل وجهات النظر، بل إلى تنسيق المواقف بما قد يساعد على تخفيف حدة التوتر وفتح مسارات سياسية ممكنة.
وشدد على أن الحرب في أوكرانيا لا تزال تحتل موقعا مركزيا في الحوار الروسي الأمريكي، مؤكدًا أن هذا الملف يبقى حاضرًا في جميع النقاشات بين موسكو وواشنطن مهما تعددت الأزمات الأخرى.
واعتبر زاسبكين أن تأجيل المحادثات الثلاثية المرتبطة بالأزمة الأوكرانية لا يعود إلى موقف موسكو، بل إلى موقف كييف، مشيرًا إلى أن تعطيل الحوار في هذه المرحلة يرتبط أساسًا بقرارات الجانب الأوكراني.
من جانبه، أكد ماركو مسعد، عضو مجلس الشرق الأوسط للسياسات بواشنطن، أن الحوار الأمريكي الروسي بدأ يتخذ طابعًا أوسع في المرحلة الحالية، بعدما تجاوز إطار الحرب في أوكرانيا ليشمل التطورات المرتبطة بالحرب ضد إيران، وهو ما يعكس في نظره طبيعة الترابط المتزايد بين الملفات الدولية الكبرى.
وأشار في تصريحات لـ«إرم نيوز» إلى أن الاتصال الذي جرى بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين يعكس محاولة لفتح قنوات سياسية قد تسهم في التعامل مع الأزمة الإيرانية.
وقال مسعد إن روسيا تمتلك موقعا خاصا في هذا الملف، نظرًا لعلاقاتها الوثيقة مع طهران، وهو ما يمنح موسكو قدرة محتملة على لعب دور في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة. وأضاف، أن هذا العامل قد يجعل من الحوار الروسي الأمريكي أداة لمحاولة البحث عن مخرج سياسي للأزمة المتصاعدة في المنطقة.
وأشار مسعد إلى أن تشابك المصالح بين موسكو وواشنطن يجعل القضايا الدولية مترابطة بدرجة كبيرة، وأن ما أشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قال إن إنهاء الحرب في إيران قد يتطلب أولاً التوصل إلى حل للحرب في أوكرانيا، يعكس منطق التعامل مع الأزمات كحزمة مترابطة لا كملفات منفصلة.
ولفت مسعد إلى أن المشهد لا يزال بعيدا عن تحقيق تقدم ملموس، موضحًا أن الاتصال بين بوتين وترامب لم يتبعه حتى الآن أي إعلان عن نتائج محددة أو خطوات عملية.
وأكد أن المصالح المشتركة بين الطرفين موجودة بالفعل، لكنها لم تتحول بعد إلى سياسات تنفيذية واضحة، كما أن الفجوة بين المواقف الأمريكية والروسية لا تزال كبيرة سواء في الملف الأوكراني أو في الأزمة الإيرانية.