في تصريح لافت، أكد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل إجراء محادثات مع ممثلين عن الولايات المتحدة الأمريكية؛ للبحث عن حلول توافقية للخلافات بين البلدين.
وفي رسالة مسجلة، أشار كانيل إلى أنّ الهدف في المقام الأول هو تحديد المشكلات التي تحتاج إلى حل، مستدركا بالقول إنّ "التوصل إلى اتفاقات لا يزال بعيدَ المنال".
من جهته، أعلن الحزب الشيوعي الكوبي– وهو الحزب القانوني الوحيد في البلاد- أنّ ممثلين عن حكومة كوبا أجروا أخيرا محادثات مع ممثلين عن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، بتوجيه مُباشر من "زعيم الثّورة" راؤول كاسترو، ورئيس الجمهورية ميغيل دياز كانيل بيرموديز.
وحيال هذه المستجدات، يعتبر خبراء ومتابعون للشأن اللاتيني أنّ الخطوة الجديدة تأتي ضمن مسار من الضغوطات الأمريكية الشديدة التي فرضتها واشنطن على هافانا والتي بدأت تُؤْتي أكلها.
ورفعت واشنطن خلال الأسابيع القليلة التي أعقبت اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وعقيلته من المجمع الرئاسي في العاصمة كاراكاس، من مستوى الضغط على كوبا عبر حظر دخول واردات النفط إلى الجزيرة.
ويتوافق الخبراء على أنّ الحصار الاقتصادي الذي تفرضه واشنطن على هافانا مثّل قطعا للرئة النفطية التي تتنفس منها كوبا، والتي لا تنتج سوى ثلث النفط الخام اللازم لتلبية احتياجاتها من الطاقة.
وتؤكد المصادر الإعلامية الميدانية أنّ كوبا باتت تُعاني كثيرا جراء الحصار الاقتصادي المطبق عليها، والذِّي حال دون وصول النفط الفنزويلي، ما أدّى إلى انقطاعات طويلة للتيار الكهربائيّ في مناطق واسعة من البلاد، وإلى ارتفاع في نسب التضخم مقرونا بانهيار في أسعار العملة المحلية.
وشكلتْ مرحلة ما بعد الرئيس نيكولاس مادورو بداية الحصار الأمريكي المطبق من جهة أولى، وانحسار البدائل السياسية والاستراتيجية لهافانا من جهة ثانية.
وأصدرت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز مجموعة من القرارات السياسية المهمة التي استهدفت المصالح الكوبية في فنزويلا.
فبعد إصدارها قرارا بتعويض الأمن الرئاسي الكوبي بآخر فنزويلي، أكدّت جهات إعلامية فنزويلية مطلعة أنّ الكادر العسكري والأمني والطبي والتعليمي الكوبي في طور مغادرة فنزويلا على دفعات متتالية.
وهو قرار مشترك بين كاراكاس وهافانا، عقب إقدام واشنطن على فرض حصار نفطي على هافانا؛ الأمر الذي أنهى فعليا صفقة "النفط الفنزويلي مقابل الخدمات العسكرية والطبية الكوبية"، وصيّرها في حكم المعدومة.
المتابعون للشأن الكوبي يؤكدون أنّ هافانا اختارت مسلك "المُطاوعة" للمطالب الأمريكية من خلال فتح باب للحلول السياسية والدبلوماسية، والنأي بذلك عن الخيارات العسكرية التي سبق أن لوحت بها واشنطن أكثر من مرة ضدّ هافانا.
ويبدو أنّ كوبا أخذت التصريحات الأمريكية على محمل الجدّ، لا سيما أنها صادرة عن الرئيس دونالد ترامب، ونابعة أيضا من وزير خارجيته ماركو روبيو الذي يمثل واحدا من "صقور" الدبلوماسية الأمريكية الذين يؤيدون الحلول العسكرية في أمريكا اللاتينية.
وتشير المصادر السياسية القريبة من البيت الأبيض إلى أنّ روبيو يرى أن لا حلول وسطى مع أقطاب اليسار في أمريكا اللاتينية، "كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا"، وبالتالي فإنّ نموذج الرئيس مادورو ليس بعيدا عن السلطة السياسية والتنفيذية في هافانا.
في هذا السياق، تشير المصادر الإعلامية اللاتينية، ومن بينها وسائل إعلام فنزويلية على رأسها صحيفة "إل ناسيونال"، إلى أنّ كوبا بدأت تنخرط في مسار القبول بتطبيق المطالب الأمريكية، وعلى رأسها الإفراج عن 51 سجينا بعد اتصالات رفيعة مع بابا الفاتيكان.
وتتلخص المطالب الأمريكية في 4 أهداف كبرى، وهي "الانخراط المباشر في الحرب ضدّ المخدرات" و"الحيلولة دون الهجرة غير النظامية" و"تحجيم الأدوار الروسية والصينية والإيرانية في الفضاء الأمريكي اللاتيني"، و"تأمين المصالح التجارية الأمريكية".
وهي أهداف وقع تلخيصها في العقيدة العسكرية والأمنية الأمريكية الجديدة، وباتت تمثل الخيط الناظم لتحالف "درع الأمريكيتين" الذي وقع إنشاؤه الأسبوع الماضي في مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية.
يعد التفاوض الأمريكي الكوبي مُنْعرجا في تاريخ العلاقات الثنائية، بعد سنوات من شبه القطيعة السياسية والدبلوماسية بين العاصمتين.
فعلى الرَّغم من الانفتاح القصير الذي أبدته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما على كوبا، فإنّ إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب سرعان ما قوّضت هذه الجهود واستأنفت حالة القطيعة شبه التامة بين البلدين.
ويعد قرار إعادة العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية الأمريكية على هافانا من أول القرارات التي اتخذها الرئيس ترامب خلال عهدته الرئاسية الأولى.
وتعمل السفارات في واشنطن وهافانا كمكاتب لـ "رعاية المصالح" وبتمثيل دبلوماسي منخفض، حيث تفرض واشنطن قيوداً صارمة على حركة الدبلوماسيين الكوبيين وتصنف الجزيرة كدولة "راعية للإرهاب"، وهو ما يعرقل أي تطبيع رسمي كامل.