برزت بريطانيا، مع تصاعد الضغوط على ميزانيات الدعم الغربي لأوكرانيا، كلاعب مركزي في ما يُعرف بـ"الضربة المزدوجة"، وهي استراتيجية تستهدف تقليص عائدات النفط الروسي، وفي الوقت ذاته توجيه جزء من هذه العائدات لتمويل صمود أوكرانيا.
وتقوم جوهر هذه الاستراتيجية على مبدأ واضح، يتمثل في حرمان موسكو من تحويل النفط إلى ريع الحرب، مع قلب وظيفة هذه العوائد لتصبح مصدر دعم مباشر لكييف، وذلك وفقاً لتقرير نشرته الصحف الأمريكية.
وأفاد تقرير لموقع "أكسيوس"، أنه على عكس الطرح المبسط المتداول إعلاميًا حول "النفط الروسي المسروق"، فإن المقاربة البريطانية تعتمد أساسًا على التحكم في العائد، لا الاستيلاء المباشر على البراميل تفاديًا لهزات أسعار الطاقة العالمية وتداعياتها على الحلفاء.
وتتمثل الركيزة الأولى لهذه الضربة في الأصول الروسية المجمدة، والتي تُقدَّر عالميًا بنحو 300 مليار يورو، تحتفظ أوروبا وحدها بما يقارب 210 مليارات يورو منها، معظمها في بلجيكا.
هذه الأصول باتت مصدرًا لعائدات استثنائية تُقدَّر بما بين 2.5 و3 مليارات يورو سنويًا، جرى توظيفها ضمن آلية قروض دول السبع، التي مولت جزءً كبيرًا من احتياجات أوكرانيا المالية والعسكرية خلال 2025، ووفرت لها غطاءً ماليًا للسنوات المقبلة دون المساس بالأصول نفسها.
ولكن التحول الأخطر جاء مع المسار البريطاني الجديد، الذي انتقل من إدارة المال إلى استهداف النفط نفسه عبر "أسطول الظل" الروسي، خاصة وأن لندن فرضت عقوبات على أكثر من 520 ناقلة، وأجبرت نحو 200 منها على الخروج من الخدمة، هو ما خفض قدرة الأسطول إلى النصف، وتسبب في تراجع عائدات النفط الروسية بنحو 27%.
وفي هذا السياق، تستعد بريطانيا، وفق تسريبات صحفية، لبيع شحنات نفط محتجزة من ناقلات مخالفة، وتوجيه عائداتها مباشرة لدعم الجيش الأوكراني، مستندة إلى قانون العقوبات ومكافحة غسل الأموال الصادر عام 2018.
وعززت السوابق العملياتية هذا التوجه، مع مشاركة بريطانية مباشرة في احتجاز ناقلات متهمة بنقل نفط خاضع للعقوبات، في عمليات نُفذت بمشاركة القوات الخاصة وسلاح الجو الملكي.
من جهته، قال رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، الدكتور عماد أبو الرب، أن أوكرانيا كانت قبل عام 2014 تعتمد بدرجة كبيرة على روسيا اقتصاديًا، إذ إن ما بين 50 إلى 60 % من وارداتها كانت تأتي من السوق الروسية، إلى جانب اعتماد واسع على الغاز والنفط الروسيين.
وأوضح أبو الرب، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، أن العلاقات التجارية في تلك المرحلة اتسمت بالنشاط والاستقرار، قبل أن تتغير جذريًا مع اندلاع الحرب.
وكشف أبو الرب أن التوجه الأوكراني بعد الحرب اتجه تدريجيًا نحو تقليص أي تواصل اقتصادي مع موسكو، وصولًا إلى المطالبة بفرض عقوبات صارمة ومنع بيع المنتجات الروسية، وفي مقدمتها الطاقة، بهدف وقف أي مصادر تمويل يمكن أن تُستخدم في دعم العمليات العسكرية أو تصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة.
وأشار إلى أن استمرار الحرب، خاصة خلال فصل الشتاء القارس، يجعل من غير المرجح أن تُقدم أوكرانيا على شراء النفط أو الغاز الروسي، حتى عبر قنوات غير مباشرة مثل ما يُعرف بأسطول الظل.
واعتبر أن الإقدام على مثل هذه الخطوة سيمنح دولًا أخرى مبررًا لشراء الطاقة الروسية بذريعة انخفاض الأسعار وتحقيق وفورات اقتصادية.
وأضاف أبو الرب أن قبول كييف بهذا السيناريو من شأنه أن يُضعف موقفها السياسي والأخلاقي، ويقوض مطالبها المتكررة بفرض العقوبات، مؤكدًا أن أوكرانيا لا يمكنها المجازفة بذلك.
وأكد أن الوضع قد يختلف إذا تعلق الأمر بمواد تمت مصادرتها، موضحًا أن أي إعلان رسمي عن حصول أوكرانيا على نفط روسي مُصادر قد يُطرح باعتباره ردًا مباشرًا على قيام موسكو بتصدير الحبوب والزيوت من الأراضي الأوكرانية المحتلة.
ولفت إلى أن كميات كبيرة من المحاصيل الأوكرانية جرى تسويقها عبر شركات من الهند ودول أخرى على أنها منتجات روسية، رغم توثيق أصلها الأوكراني، معتبرًا أن كييف قد تنظر إلى أي خطوة مماثلة باعتبارها ردًا مشروعًا على الاستيلاء على مواردها الزراعية.
من جانبه، قال مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، إن اختزال فكرة الضربة المزدوجة في عبارة "النفط الروسي المسروق" يُبسط مشهدًا اقتصاديًا معقدًا.
وأكد بريجع، في تصريح خاص لـ"إرم نيوز"، أن ما يجري فعليًا يقوم على مسارين متوازيين، أحدهما يهدف إلى تقليص قدرة موسكو على تحويل الطاقة إلى ريع حرب، والآخر يسعى لربط جزء من الموارد أو الأرباح الروسية بمسار دعم أوكرانيا.
وأوضح أن التمويل لا يتم عبر مصادرة البراميل، بل من خلال إعادة هندسة عوائد النفط الروسي، إضافة إلى توظيف أرباح الأصول الروسية المُجمّدة داخل المنظومة الغربية.
وأشار بريجع إلى أن الغرب تعمد عدم وقف تدفق النفط الروسي بالكامل، لتجنب صدمات أسعار عالمية، متجهًا بدلًا من ذلك إلى سياسة أكثر براغماتية تقوم على الضغط على السعر الفعلي الذي تحصل عليه روسيا، وهو ما تجسد في سياسة سقف السعر والقيود المفروضة على التأمين والتمويل والخدمات البحرية.
وتابع: "هذه المقاربة تجعل كل شحنة نفط مصدر عائد محدود، وتدفع موسكو للاعتماد على شبكات وسيطة وترتيبات أقل شفافية، ما يرفع الكلفة التشغيلية ويخلق نقاط ضعف إضافية".
وأضاف ديميتري أن الضربة الثانية تتعلق بالأصول الروسية المُجمّدة، حيث يجري النقاش حول استخدام أرباحها في تمويل قروض تُمنح لأوكرانيا، بما يخفف العبء عن الميزانيات الغربية ويرسل رسالة ضغط مباشرة إلى موسكو.
وأكد بريجع أن فكرة احتجاز ناقلات أو مصادرة شحنات مرتبطة بأسطول الظل لا تزال مطروحة كنقاش تصعيدي، لكنها تصطدم بتعقيدات قانونية وسيادية وبحرية، ما يجعلها حتى الآن خيارًا محتملًا أكثر من كونها سياسة مستقرة ومكتملة.