باتت علامات تراجع الالتزام الغربي تجاه أوكرانيا أكثر وضوحًا على الأرض، ما يثير تساؤلات حول السيناريوهات المقبلة وقدرتها على الصمود أمام التوغّل الروسي المتزايد.
ويرى خبراء أن العمليات الروسية الأخيرة، وتراجع القوات الأوكرانية في عدد من المحاور، يترافقان مع مؤشرات واضحة على انحسار الالتزام الغربي، بعدما بدأت العواصم الأوروبية تعيد تقييم كلفة الدعم العسكري والمالي لكييف، في ظل أزمات اقتصادية وضغوط اجتماعية داخلية.
وأضاف الخبراء أن "الغرب لم يعد يتعامل مع الدعم لأوكرانيا بوصفه أولوية قصوى، خاصة مع تصاعد الحديث عن الفساد داخل المؤسسات الأوكرانية، وتراجع الثقة في وصول التمويلات إلى الجبهات".
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة موسكو الدكتور نزار بوش، إن "الضربات القوية والمؤثرة التي نفّذتها القوات الروسية على المواقع الأوكرانية، لا سيما مواقع الدعم في العمق الأوكراني، أسهمت بصورة مباشرة في تراجع عدد من الوحدات الأوكرانية على الجبهات".
وتابع في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن حديث كييف عن تشكيل جيش صغير ومدرّب لا يعكس رؤية إستراتيجية بقدر ما يعبّر عن حالة إحباط واضحة أصابت القيادة الأوكرانية وقواتها، بعد عجزها عن استعادة أي نقطة سيطرت عليها روسيا أو تحقيق تقدم فعلي على خطوط التماس".
وأضاف أن "المبادرة باتت، اليوم، بيد الجيش الروسي الذي واصل تنفيذ ضربات نوعية لافتة، كان بينها استخدام صواريخ كينجال المدمّرة التي أصابت مراكز للطاقة ومواقع للتصنيع العسكري داخل أوكرانيا".
وأكد بوش، أن "كييف باتت تطالب الغرب بمزيد من الدعم المالي والعسكري، غير أن الدول الغربية أصبحت أكثر اقتناعاً بأن جزءاً كبيراً من الأموال لا يصل إلى ميادين القتال، في ظل ما ظهر، مؤخراً، من ملفات فساد داخل سلطة الرئيس فولوديمير زيلينسكي، إلى جانب تعرّض كميات كبيرة من السلاح للتدمير على الجبهات".
وأضاف أن "الغرب نفسه يتعرض لاستنزاف متواصل بسبب استمرار الحرب، تمامًا كما تتعرض روسيا وأوكرانيا".
ولفت إلى أن "الشعوب الأوروبية باتت تشعر بتراجع مستوى المعيشة نتيجة تخصيص حكوماتها مبالغ ضخمة لدعم أوكرانيا على حساب رفاهية مواطنيها، ما أدى إلى تزايد حالة التململ داخل المجتمعات الغربية، خاصة في ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وبريطانيا".
وتابع بوش، أن "هذه الدول قد تمنح الأولوية، خلال الفترة المقبلة، لتعويض شعوبها عن الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها، خلال السنوات الثلاث الماضية، من الحرب، مع الإبقاء على دعمها لأوكرانيا ولكن دون أن يكون ذلك ضمن أولوياتها القصوى كما كان في بدايات الصراع".
من جانبه، قال رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار الدكتور عماد أبو الرب، إن "الإستراتيجية الأوكرانية المقبلة تقوم على محاولة إيقاف الحرب والسعي لبدء مفاوضات مع روسيا، في ظل التطورات المتلاحقة والتحديات التي تواجهها كييف على الجبهات وفي الداخل".
وأشار في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إلى أن "أوكرانيا تعمل بالتوازي على بناء جيش قادر على تحصين البلاد عبر ضمانات دولية معتبرة، تتضمن تعهدات روسية بعدم مهاجمتها مستقبلًا، إلى جانب زيادة التصنيع العسكري بالتعاون مع الحلفاء ضمن اتفاقيات ثنائية قد لا تكون مرتبطة مباشرة بحلف الناتو أو بالاتحاد الأوروبي ككيان واحد، نظرًا لوجود أصوات معارضة قد تعيق اتخاذ قرارات جماعية".
وأكد أبو الرب، أن أوكرانيا تتجه نحو صيغة "تحالف الراغبين" داخل أوروبا، وأن هذا التوجه يفسر سلسلة الاتفاقيات التي أبرمتها كييف مع ألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا، وهولندا، والسويد، وفرنسا، ودول أخرى.
ويأتي كل اتفاق بشكل منفصل لتعزيز القدرات الدفاعية والتصنيع العسكري المشترك بعيدًا عن أي عراقيل سياسية داخل المؤسسات الأوروبية.
وقال إن "التصريحات الأخيرة للرئيس الأوكراني تعكس رغبته الجدية في إحياء مسار التفاوض، وهو يعتزم بحث أفكار وحلول جديدة، بما يتيح تعريف الأطراف كافة بموقف أوكرانيا واستعدادها لبدء مفاوضات مع الجانب الروسي، ضمن علاقات يتم الاتفاق عليها مسبقًا ومن دون فرض شروط استسلام تعجيزية كما كان مطروحًا في السابق".
وأشار أبو الرب، إلى أن "المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة استنزاف طويلة ما لم تبدأ المفاوضات التي تأمل أوكرانيا انطلاقها في أسرع وقت ممكن، وأن كييف ترى أن فتح قناة تفاوض واضحة هو الخيار الوحيد لتجنب استمرار إنهاك الجيش، واستنزاف موارد الدولة".