مراسل "إرم نيوز": تجدد القصف على غزة وغارة جديدة تستهدف منزلا في حي النصر
تنبع أهمية تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، الذي ينتقد تعامل بريطانيا مع الاحتجاجات، من دلالته السياسية والقانونية، فهو لا يقدم قراءة لحوادث منفصلة، بل يحذر من المساس بأحد أكثر الحقوق رسوخاً في الديمقراطيات الغربية وهو الحق في الاحتجاج السلمي.
ويأتي التقرير الذي حمل عنوان "إسكات الشوارع: الحق في الاحتجاج يتعرض للهجوم في المملكة المتحدة" بعد اعتماد تدابير "قمعية" شددت تدريجياً الشروط والعقوبات المطبقة على الاحتجاجات السلمية.
وأوضحت المنظمة أن بريطانيا "تشهد تآكلاً للحقوق الديمقراطية الأساسية ويجب وقف ذلك"، معربة عن قلقها إزاء القيود الجديدة المخطط لها في مشروع قانون الجريمة والشرطة، الذي يخضع حالياً للمراجعة في البرلمان.
وينص مشروع القانون على اتخاذ تدابير لقمع الأشخاص الذين يخفون وجوههم أثناء التظاهرات، أو لتقييد التجمعات أمام أماكن العبادة.
علاوة على ذلك، فإن صدور التقرير في ظل حكومة عمالية، لا في سياق حكم محافظين أو حالات طوارئ، يمنحه دلالة إضافية، إذ يشير إلى تحول أعمق عابر للأحزاب في طريقة إدارة العلاقة بين الدولة والفضاء العام.
وأشارت المنظمة إلى هذه النقطة، إذ أعربت عن أسفها لأن حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر، الذي وصل إلى السلطة في تموز/يوليو 2024، لم تقم بإلغاء قانونين تم تبنيهما في ظل حكومات المحافظين السابقة، واللذين خفضا على سبيل المثال عتبة تعريف "الإخلال بالنظام العام" من أجل تسهيل التوقيفات، أو سمحا بتوقيفات وقائية.
أعاد تقرير المنظمة الحقوقية تسليط الضوء على إشكالية تتجاوز حدود بريطانيا لتثير أسئلة تتعلق بمستقبل العلاقة بين السلطات الرسمية والفضاء العام في الديمقراطيات الأوروبية، فالتقرير لا يكتفي بانتقاد إجراءات بعينها، بل يشير إلى مسار تصاعدي تشدد فيه القيود ضد الاحتجاج السلمي.
ويرى خبراء أن كل ذلك يقود إلى تساؤلات عما إذا كانت المواءمة بين حق التعبير والاحتجاج من جهة، ومتطلبات الأمن والنظام العام من جهة أخرى، قد باتت هدفًا صعب المنال في "القارة العجوز".
ومن المعروف أن الحق في الاحتجاج يعد أحد ركنين أساسيين في الغرب، يتيح لجموع المواطنين مساءلة السلطة ورفض سياساتها في هذه القضية أو تلك، خارج الأطر الحزبية والمؤسسات التقليدية.
وبهٰذا المعنى، فإن الاحتجاج السلمي شكّل على الدوام، بحسب خبراء، رافعة لتصحيح الخلل وتصويب الأخطاء، غير أن هذا الحق يمارس أحيانا على نحو فوضوي، وهو ما يحتم على السلطات التدخل لصون النظام العام وضمان الأمن.
غير أن التقرير لا يشير إلى مثل هذا التوتر والفوضى، الذي قد يعد استثناء، بل يرصد تحولا في كيفية إدارة الاحتجاج السلمي، ففي بريطانيا، شهد العقد الأخير توسعا ملحوظا في التشريعات التي تنظم الحق في التظاهر والاحتجاج.
وغالبا ما يتم تبرير مثل هذه الآليات بالحاجة إلى مواجهة أنماط جديدة من الاحتجاج ترى فيها الدولة تهديدا مباشرا للمرافق العامة والأمن.
ويشكك خبراء في مثل هذه التبريرات، ذلك إن المعضلة لا تكمن في سعي الدولة لمعالجة ممارسات عنفية وتخريبية محددة، بل في اتساع نطاق التجريم ليشمل أشكالا واسعة من الاحتجاج السلمي، اعتمادا على معايير فضفاضة تترك هامشا كبيرا للتدخل القسري الرسمي.
ويضيف الخبراء بأن هذا التدخل المتكرر يعكس توجها متزايدا نحو التعامل مع الاحتجاج بوصفه خطرا وشيكا محتملا ينبغي احتواؤه قبل أن يتجسد، مشيرين إلى أن السلطات بذلك تنتقل من المحاسبة على الأفعال، إلى المحاسبة على النوايا.
ولا يمكن فصل هذا المثال البريطاني عن السياق الأوروبي الأوسع، فقد عمدت العديد من الدول الأوروبية إلى توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية في تفريق الاحتجاجات ومراقبة المشاركين فيها، بذرائع مختلفة من قبيل "مكافحة الإرهاب"، أو "حماية السلم الأهلي"، أو "منع خطاب الكراهية".
ورغم اختلاف هذه الإجراءات تبعا لخصوصية كل دولة، لكن القاسم المشترك بينها يتمثل في تكريس "البعد الأمني"، فكل احتجاج هو بمثابة خطر محتمل ينبغي التعامل معه بأدوات استثنائية قبل أن يتحول إلى خطر فعلي.
من المعروف أن هذه التقارير الحقوقية الناقدة كانت تقتصر، حتى وقت قريب، على دول ناشئة، خارج جغرافية الليبرالية الغربية، تفتقر إلى ثقافة حقوق الإنسان والحريات الفردية والحق في التعبير والاحتجاج.
لكن من الواضح، بحسب خبراء، أن هذه المنظمات وسعت القوس، لتشمل دولا غربية معروفة، تاريخيا، بسجلها المتقدم في مجال الحريات، كالدول الأوروبية، وهو ما يوحي بأنها تسير تدريجيا نحو نموذج "الدولة البوليسية".
ويلاحظ الخبراء أن التشديد المتزايد على تنظيم الاحتجاجات، و"التوقيفات التعسفية"، واستخدام "مكافحة الإرهاب" كذريعة، وغيرها من الممارسات تشير إلى تغيير جذري يمكن اختزاله في إدارة الفضاء العام من منظور أمني احترازي بحت.
وتكمن خطورة هذه السياسات لدى تطبيقها كضرورة دائمة لا كاستثناء، وعندما تتحول إلى ورقة انتخابية، تحظى بإجماع سياسي عابر للأحزاب، فيصبح، عندئذ، تقليص الحريات إجراء اعتياديا.
ويكتسب هذا التحول في تعامل الدولة الأوروبية مع الاحتجاجات بعدا أعمق عند النظر إليه في سياق تداعيات الهجرة وصعود اليمين المتطرف، فتصاعد الخطاب الشعبوي التحريضي الذي يربط بين الهجرة، وبين الجريمة، واضطراب النظام العام، دفع السلطات إلى التعاطي مع الشارع باعتباره مجالا رخوا يحتاج إلى ضبط استباقي، قبل أن يقع المحظور.
ورغم كل ما سبق، لا ينبغي تجاهل الأصوات المؤيدة، التي ترى أن التشديد على تنظيم الاحتجاجات ليس بالضرورة مؤشرا على الانزلاق نحو الدولة البوليسية، بل هي محاولات حكومية للتوفيق بين حرية التعبير وأمن المجتمع في ظل أزمات مركبة، تشمل الهجرة المتزايدة والتهديدات الأمنية ونزعة التطرف لدى بعض الفئات المحتجة.
ويشير مؤيدو هذا التفسير إلى أن أوروبا لا تزال تتمتع بمجال إعلامي مفتوح، وقضاء مستقل، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة... ما يحد من احتمالية تحولها، في المستقبل القريب، إلى دولة بوليسية بالمعنى التقليدي.