لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت تدريجياً إلى ما يشبه مختبراً ميدانيا لتجريب جيل جديد من الأسلحة والتقنيات العسكرية. فوفق تقارير مراكز أبحاث إسرائيلية وغربية، استغل الجيش الإسرائيلي هذه الحرب لاختبار منظومات دفاعية وهجومية متقدمة في ظروف قتال حقيقية، بعضها يستخدم للمرة الأولى على نطاق واسع.
ويشير باحثون في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) إلى أن الحرب الحالية توفر فرصة نادرة لاختبار منظومات قتالية جديدة في بيئة عملياتية معقدة تشمل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والقتال غير المتكافئ، وهي تهديدات تمثل التحدي الرئيسي لإسرائيل في العقد المقبل.
"Trophy".. إغلاق ثغرة الهجوم من الأعلى
أحد أبرز هذه التطورات يتعلق بمنظومة "Trophy" لحماية الدبابات والعربات المدرعة. فقد أظهرت حرب لبنان عام 2006 أن الصواريخ المضادة للدروع مثل كورنت الروسية قادرة على إلحاق خسائر كبيرة بالدبابات الإسرائيلية، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى تطوير نظام حماية نشط يعتمد على رادارات تكشف الصاروخ القادم ثم تطلق ذخيرة اعتراضية لتدميره قبل إصابة الهدف.

لكن المعارك الأخيرة كشفت تحدياً جديداً تمثل في الصواريخ التي تستخدم تقنية الهجوم من الأعلى، مثل الصاروخ الإيراني "ألماس"، وهي صواريخ تضرب سقف الدبابة حيث تكون الحماية أضعف.
وبحسب شركة رفائيل الإسرائيلية للصناعات الدفاعية، فقد جرى تطوير جيل جديد من منظومة "Trophy" قادر على التعامل مع هذا النوع من التهديدات، عبر تحسين قدرات الرصد وإضافة وسائل اعتراض مخصصة للهجمات القادمة من الأعلى. وتشير تقارير عسكرية إلى أن النسخة المطورة بدأت تظهر ميدانياً خلال العمليات الأخيرة.
سلاح الليزر يدخل المعركة
تطور آخر لافت يتمثل في استخدام منظومة الليزر الدفاعية Iron Beam، التي تعد واحدة من أكثر مشاريع الدفاع الجوي طموحاً في إسرائيل.
فالمنظومة تعتمد على إطلاق شعاع ليزر عالي الطاقة لاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى، ما يجعل تكلفة الاعتراض أقل بكثير من استخدام الصواريخ التقليدية في أنظمة مثل القبة الحديدية.

ووفق تقارير نشرتها صحيفة جيروزاليم بوست، تمكنت إسرائيل خلال الحرب من استخدام الليزر لاعتراض عدد من الطائرات المسيّرة التي أطلقت من جبهات متعددة، في خطوة وصفها خبراء بأنها بداية عصر جديد في الدفاع الجوي.
ويشير تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن إلى أن أنظمة الليزر قد تصبح خلال السنوات المقبلة جزءاً أساسياً من الدفاعات الجوية، خصوصاً في مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.
الذخائر الذكية والضربات الدقيقة
بالتوازي مع التطورات الدفاعية، شهدت الحرب استخداماً واسعاً لذخائر دقيقة التوجيه من الجيل الجديد، أبرزها عائلة القنابل الذكية "SPICE" التي طورتها شركة رفائيل أيضاً.
وتعتمد هذه القنابل على التوجيه الكهروبصري وأنظمة التعرف على الأهداف، ما يسمح للطائرات الإسرائيلية بإصابة الأهداف بدقة حتى في البيئات التي تتعرض فيها إشارات GPS للتشويش.

كما ظهرت تقارير عن استخدام صاروخ "Ice Breaker" بعيد المدى، المصمم لضرب الأهداف البحرية والبرية بدقة عالية، وهو أحد الأنظمة التي تسعى إسرائيل إلى تسويقها عالمياً في السنوات المقبلة.
الذكاء الاصطناعي في بنك الأهداف
لكن التطور الأكثر تأثيراً ربما لا يتعلق بالسلاح نفسه بقدر ما يتعلق بطريقة استخدامه. فقد كشفت تقارير عسكرية إسرائيلية أن الجيش بات يعتمد بشكل متزايد على خوارزميات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لبناء بنك الأهداف وتحديد مواقع القيادات والمنشآت العسكرية.
وبحسب تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، سمحت هذه الأنظمة بتقليص الوقت اللازم لاكتشاف الهدف ومهاجمته من ساعات إلى دقائق، ما يفسر سرعة تنفيذ سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قيادات ميدانية في حزب الله خلال الحرب الأخيرة.
حرب المستقبل
في ضوء هذه التطورات، يرى الخبير العسكري السوري كامل الجفان، أن الحرب الحالية قد تشكل نموذجاً مبكراً لطبيعة الحروب خلال العقد القادم، حيث تتداخل منظومات الدفاع النشط، والأسلحة الموجهة بدقة، والذكاء الاصطناعي، والعمليات الخاصة في منظومة قتالية واحدة.
ويرى الجفان في تعليق لـ"إرم نيوز"، أن ما يجري في هذه الحرب يعكس تحولاً أوسع في طبيعة النزاعات الحديثة، حيث أصبحت المعركة لا تدور فقط حول عدد الصواريخ أو حجم القوات، بل حول القدرة على الابتكار العسكري وتطوير وسائل مضادة بسرعة أكبر من الخصم.
ويخلص للقول إن إسرائيل تختبر أنظمتها الجديدة، بينما يسعى خصومها إلى تطوير وسائل قادرة على تجاوز هذه الأنظمة، ما يجعل ساحة الشرق الأوسط اليوم واحدة من أكثر ساحات العالم ديناميكية في سباق التكنولوجيا العسكرية.