logo
العالم

"حرب المسيّرات".. كيف غيرت التكنولوجيا ميزان المعركة بين موسكو وكييف؟

جندي أوكراني يطلق طائرة مسيرةالمصدر: (أ ف ب)

مع دخول الحرب بين روسيا وأوكرانيا عامها الخامس، تصدرت الطائرات المسيّرة المشهد بوصفها الأداة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في الميدان، حتى وُصفت بأنها "سلاح المرحلة".

وعلى الجانب الروسي، شكّلت مسيّرات "شاهد - غيران" العمود الفقري لحملات الاستنزاف الجوي، إذ ارتفع معدل إطلاقها من نحو 200 مسيّرة أسبوعيًا في سبتمبر/أيلول 2024 إلى أكثر من ألف أسبوعيًا بحلول مارس/آذار 2025.

وتجاوز إجمالي الإطلاق الشهري 4 آلاف مسيّرة منذ مايو/أيار من 2025، مسجلًا ذروة بلغت 6297 في يوليو/تموز 2025.

 

أخبار ذات علاقة

دبابة أوكرانية مدمرة استولت عليها روسيا

بعد 4 سنوات على بدء الحرب.. "الحصاد المر" في روسيا وأوكرانيا بالأرقام

ورغم اعتراض نسبة كبيرة منها، فإن فعاليتها تكمن في الكثافة العددية وقدرتها على إنهاك الدفاعات الجوية.

المسيّرات كلمة السر

وانتشرت مسيّرات FPV منخفضة الكلفة، التي أصبحت مسؤولة عن نسبة معتبرة من إصابات الخطوط الأمامية، إلى جانب مسيّرات الألياف البصرية المقاومة للتشويش وذخائر "لانسيت" المتجولة المتخصصة في اصطياد المدرعات والمدفعية.

في المقابل، وسّعت أوكرانيا نطاق استخدام المسيّرات الهجومية بعيدة المدى، فنفذت خلال عام 2025 نحو 130 عملية استهدفت 377 هدفًا داخل العمق الروسي، بينها قواعد جوية ومنشآت طاقة.

ورفعت كييف قدرتها الإنتاجية من 20 ألف مسيّرة شهريًا في 2024 إلى 200 ألف شهريًا في 2025، مع خطط لإنتاج 4 ملايين سنويًا، كما أدخلت مسيّرات بحرية غير مأهولة مثل "سي بيبي" و"ماغورا" لضرب أهداف في البحر الأسود.

وساهمت تكتيكات المسيّرات في خسارة روسيا أكثر من 1600 دبابة و3800 مركبة مدرعة خلال الأعوام الماضية، وهو ما دفعها إلى تقليص استخدام الأرتال الثقيلة والاعتماد على وحدات أصغر وأكثر مرونة.

وبرزت ما تعرف بـ"المنطقة الرمادية"، وهي نطاق يمتد حتى 24 كيلومترًا خلف بعض خطوط الجبهة، حيث يصبح أي تحرك مكشوفًا للمسيّرات ومعرضًا للتدمير السريع.

وتشير تقديرات عسكرية إلى أن نحو 70% من خسائر الطرفين باتت مرتبطة بالمسيّرات، في مؤشر واضح على تغير طبيعة القتال.

وفي السياق ذاته، جرى تزويد بعض المسيّرات بأنظمة ذكاء اصطناعي لتحسين الملاحة ومقاومة التشويش، كما اختُبرت تكتيكات "الأسراب" واستخدام مركبات أرضية غير مأهولة بالتكامل مع المسيّرات الجوية.

 

 

ومع استمرار الضربات على البنية التحتية ومحطات الطاقة، تبدو الحرب اليوم نموذجًا لتحول استراتيجي أوسع، حيث أصبحت السماء ساحة الحسم الرئيسية، وأصبحت التكنولوجيا، لا الكتلة المدرعة، العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ميزان القوى على الأرض.

صراع عالي التقنية

ورأى الخبير العسكري العميد نضال زهوي، أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا، مع نهاية عامها الرابع، لم تعد حرب تموضع تقليدية تُقاس بتقدم الدبابات أو ثبات القوات داخل الخنادق، بل تحولت إلى صراع عالي التقنية تُدار تفاصيله عبر الشبكات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.

وقال زهوي في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن الطائرات المسيّرة أصبحت مركز الثقل العملياتي، بعدما تطورت من أداة استطلاع وإنذار مبكر إلى منصة هجومية متكاملة قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة، وإدارة الاتصالات، وجمع البيانات اللحظية، والمشاركة في التشويش وتعطيل الدفاعات الجوية وضرب سلاسل الإمداد في العمق.

وأشار إلى أن أوكرانيا قطعت شوطًا كبيرًا في مجال التصنيع المحلي، واضعةً خطة لإنتاج نحو مليون مسيّرة سنويًا، معظمها قصيرة ومتوسطة المدى، وهو ما أتاح لها تكثيف الضربات التكتيكية على خطوط التماس.

وتابع الخبير العسكري: "في المقابل، طورت روسيا وحدات متخصصة تعتمد بصورة متزايدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتمتلك مسيّرات بمديات بعيدة ومتوسطة وقصيرة، الأمر الذي منحها مرونة أكبر في استهداف العمق والبنية التحتية".

ولفت زهوي، إلى أن الفارق لم يعد في عدد الدبابات أو كثافة المدفعية، بل في القدرة على إدارة المجال الإلكتروني والتحكم بالبصمة الحرارية والاتصالية وتفادي الرصد.

وشدد على أن التحصن في الخنادق فقد كثيرًا من جدواه أمام مسيّرات قادرة على الرصد الدقيق والاستهداف المباشر، ما جعل المعركة تبدو كمختبر مفتوح تتابعه جيوش العالم لاستخلاص دروس حول دمج الأنظمة غير المأهولة في العقيدة القتالية.

واعتبر أن ما يجري يمثل تحولًا استراتيجيًا عميقًا يعيد صياغة مفاهيم الحرب في القرن الحادي والعشرين، حيث أصبحت التكنولوجيا هي العامل الحاسم في رسم ملامح الميدان.

تحول أنماط قتال

من جانبه، أشار خبير الشؤون الدفاعية جيمس بوسبوتينيس، إلى أن تصاعد تهديد الطائرات المسيّرة في الحرب الروسية الأوكرانية أجبر العديد من الجيوش على إعادة تقييم إجراءات الحماية والعقيدة القتالية.

وأضاف بوسبوتينيس  في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ساحة المعركة شهدت انتشار حلول سريعة، مثل تزويد الدبابات والمركبات العسكرية بأقفاص حماية إضافية للحد من تأثير الهجمات الجوية منخفضة الارتفاع، إلى جانب تطوير أنظمة متقدمة مضادة للطائرات غير المأهولة لتعزيز القدرة الدفاعية.

 

أخبار ذات علاقة

ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي

يخوت وطائرات ونفط.. كواليس ضخّ روسيا 8 مليارات عبر ثغرة بريطانية

وأشار إلى أن مسيّرات FPV منخفضة التكلفة فرضت واقعًا عملياتيًا جديدًا، إذ بات بإمكان أدوات محدودة الكلفة إحداث خسائر مباشرة في الأفراد والمعدات الثقيلة، ما غيّر معادلة الكلفة مقابل الفعالية داخل الميدان.

ولفت خبير الشؤون الدفاعية، إلى تنامي استخدام المركبات البرية غير المأهولة، في سياق أوسع يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو أنماط قتال تعتمد على الأنظمة غير المأهولة في الاستطلاع والهجوم والدعم اللوجستي.

وكشف أن هذا التطور يمثل تحولًا هيكليًا في طبيعة الحرب الحديثة، حيث باتت التكنولوجيا المرنة والسريعة التطور قادرة على التأثير في ميزان القوى التكتيكي بصورة مباشرة، وهو ما يفرض على الجيوش إعادة صياغة أنماط انتشارها ومنظومات حمايتها واستراتيجياتها الدفاعية، للتكيف مع بيئة عملياتية تتسم بالسرعة والتعقيد والتغير المستمر.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC