لقت هدنة الـ10 أيام في لبنان، التي دخلت حيز التنفيذ مساء أمس الخميس، ردودًا أوروبية متشابهة في الشكل، حيثُ أعربت أوروبا عن ترحيبها بالهدنة، وقلقها من هشاشتها، وسط صمت مُعبّر حول من صنعها.
وكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منتصف ليل الخميس، عبر حسابه على منصته "تروث سوشال": "لقد دعوت للتو الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو... وقد اتفق الزعيمان على البدء رسميًا بهدنة عشرة أيام".
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عبر منصة "إكس": "الآن لا نحتاج وقفًا فحسب، بل مسارًا نحو سلام دائم. أوروبا ستواصل المطالبة باحترام كامل سيادة لبنان وسلامته الإقليمية".
أما رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا وصف خبر الهدنة، بـ"الاستثنائي"، مُطالبًا بأن "يُترجَم على أرض الواقع".
وسارت بقية العواصم الأوروبية على النهج ذاته، حيثُ رحبت كل من النمسا، وبلجيكا، والنرويج، والبرتغال، وإستونيا، وسويسرا، بالهدنة ودعت إلى "مسار سياسي دائم".
لكن التحذير الفرنسي، جاء عبر الرئيس إيمانويل ماكرون ، حيثُ قال صباح اليوم الجمعة: "أُعرب عن قلقي من أن الهدنة قد تكون مُهدَّدة بالفعل؛ بسبب استمرار العمليات العسكرية"، مطالبًا بنزع سلاح ميليشيا حزب الله، وإسرائيل باحترام سيادة لبنان ووقف الحرب.
جاء التحذير في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية تُعلن مواصلة انتشارها جنوب الليطاني، والجيش اللبناني يُحصي "عددًا من الانتهاكات والأعمال العدوانية الإسرائيلية".
وتكشف القراءة التحليلية للمشهد ما يُسكت عنه البيانات الرسمية، فالهدنة جاءت بعد محادثات واشنطن، التي أشرف عليها وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس والجنرال دان كاين.
لكن باريس لم تكن في الغرفة، رغم أنها أرسلت وزير خارجيتها جان نويل بارو إلى العاصمة اللبنانية بيروت والإسرائيلية تل أبيب قبل أسابيع.
ووزير الخارجية الفرنسي السابق جان إيف لو دريان لاحظ على قناة "بي إف إم تي في"، أن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام شكر فرنسا على جهودها الدبلوماسية، التي "أسهمت في هذه النتيجة"، مُعيدًا لباريس ما يخصها، لكن الواقع أن ترامب هو من أعلن الهدنة، وهو من طلب من فانس وروبيو متابعتها.
وما تقوله الوزيرة اللبنانية حنين سيد، يُضيء الصورة من الجهة الأخرى، حيثُ قالت: "لبنان لا يمكنه أن يفشل. فشله سيكون له تداعيات على الجيران وعلى المنطقة وحتى على أوروبا".
وأشارت إلى أن الأزمة الإنسانية بالغة الخطورة، حيثُ قتل "أكثر من 2000 قتيل و6 آلاف جريح ومليون نازح، و85% منهم خارج المخيمات الرسمية، وأن النداء الأممي العاجل بـ308 ملايين دولار لم يستقطب سوى 30% منها حتى الآن.
ووفقًا لصحيفة "لوريان لو جور"، فإن الهدنة وُلدت بعد يوم مثير، فعندما إسرائيل أعلنت مسبقًا عن اتصال هاتفي بين عون ونتنياهو لم يُوافق عليه الرئيس اللبناني، الذي رفض التحدث مع نتنياهو قبل الهدنة وأصرّ على التواصل مع روبيو فقط.
وإسرائيل تُصرّ على منطقة عازلة بعمق عشرة كيلومترات والتموضع جنوب الليطاني، وحزب الله قال إنه سيلتزم بشرط توقف إسرائيل الكامل، لكنه أعلن في الساعات الأولى من الهدنة قصفًا "ردًا على الانتهاكات الإسرائيلية".
وبينما يُلمح معسكر حزب الله وفقًا "لوريان لو جور" إلى أن الهدنة "انتزعتها إيران من واشنطن" في سياق المفاوضات النووية الأشمل، تُصر بيروت على أن عون هو من انتزعها بالحفاظ على موقفه الثابت رغم الضغوط.
ما يبدو ثابتًا في المشهد الأوروبي هو أن تحذير ماكرون، وإن بدا نقدًا للهشاشة، هو في جوهره اعتراف ضمني بأن القرار الكبير ليس في يد أوروبا، فإن واشنطن تمسك بالخيط، وأوروبا تُعلّق من الهامش، مُبدية قلقها من هدنة لم تُشكّلها لكنها ستتحمل جزءًا من تبعاتها إن انهارت.