تشهد مسارات التفاوض بين روسيا وأوكرانيا منذ مطلع العالم الجاري حراكًا مكثفًا يتزامن مع غموض متعمد حول القضايا الإقليمية والحدودية، وذلك في وقت تُطرح فيه صيغ متعددة لوقف إطلاق النار دون حسم قانوني أو جغرافي لطبيعة السيطرة على الأراضي المتنازع عليها.
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أعلن أن مسودة تفاهم جرى تداولها تعتمد خط انتشار القوات وقت توقيع الاتفاق كخط تماس فعلي، دون اعتراف قانوني بالسيطرة الروسية.
ووفق التصريحات الأوكرانية، فإن هذه الصيغة تهدف إلى تجميد الوضع العسكري القائم، مع التمسك بحدود عام 1991 كمرجعية سيادية، ورفض أي تنازل رسمي عن أراضٍ خاضعة للاحتلال.
إلا أن موسكو أكّدت مطالبها الإقليمية بإقليم دونباس، إذ أعلن الكرملين تمسكه بانسحاب أوكرانيا من كامل منطقتي دونيتسك ولوهانسك، وأن أي تسوية طويلة الأمد يجب أن تستند إلى ما يُعرف بـ"صيغة أنكوريغ"، التي تفسر باعتبارها اعترافًا فعليًّا بسيطرتها على دونباس وتجميد بقية خطوط الجبهة.
وفي الوقت ذاته، لا تزال أمريكا تحاول طرح مقاربة موسعة، تتضمن إعادة ترتيب للسيطرة الميدانية في بعض المناطق، مقابل إنشاء منطقة منزوعة السلاح بصياغات قانونية فضفاضة تتميز بين السيطرة الفعلية والسيادة القانونية.
وتبقى القضايا العالقة متمثلة في غياب خرائط حدودية حاسمة، وعدم وجود آليات تنفيذ أو مراقبة ملزمة، إضافة إلى إشكالية تعريف المنطقة المنزوعة السلاح في ظل طبيعة الحرب الحديثة.
بالإضافة إلى أن صيغ الانسحاب غير المتكافئة، التي تركز على التزامات أوكرانية دون شروط مماثلة على الجانب الروسي، لا تزال هناك مخاوف من تكرار سيناريوهات تجميد الصراع دون تسوية شاملة، على غرار اتفاقيات سابقة.
وأكد خبراء لـ"إرم نيوز" أن الحديث المتداول عن اقتراب تسوية أو هدنة بين روسيا وأوكرانيا لا يعكس بالضرورة واقع المشهد على الأرض، محذرين من أن أي وقف لإطلاق النار لا يستند إلى خرائط حدودية واضحة وضمانات أمنية صريحة قد يتحول إلى هدنة ملغومة قابلة للانفجار في أي لحظة.
ويرى محمود الأفندي، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، أن الحديث المتداول إعلاميًّا عن اقتراب تسوية أو هدنة بين روسيا وأوكرانيا لا يعكس واقع المشهد الفعلي، بل يندرج ضمن ما وصفه بحالة من الضباب الإعلامي التي تُستخدم لتشويش الصورة السياسية.
وأكد في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن ما يُطرح حاليًّا لا يمثل تسوية حقيقية ولا حتى هدنة قابلة للحياة، معتبرًا أن الخيار الوحيد المطروح من وجهة النظر الروسية هو إنهاء الحرب من جذورها، وليس تجميدها أو إدارتها مرحليًّا.
وأوضح الأفندي أن موسكو لا ترى أي مصلحة لها في الدخول في هدنة مؤقتة، خاصة في ظل التفوق الميداني والعسكري الذي حققته، مشددًا على أن مفهوم التسوية السياسية يفترض وجود توازن بين طرفين، وهو ما لا يتوافر حاليًّا على الأرض.
وأضاف المحلل السياسي، أن روسيا لم تكن صاحبة المبادرة لفتح مسارات تفاوضية، بل جاءت هذه التحركات نتيجة ضغوط أوروبية وأمريكية وأوكرانية، في محاولة لوقف الخسائر لا لتحقيق سلام متوازن.
واعتبر الأفندي أن طرح فكرة الهدنة في هذا التوقيت يحمل في جوهره تناقضًا؛ لأن أي تسوية مرحلية تعني من وجهة النظر الروسية تقويض النتائج العسكرية التي تحققت، وهو أمر ترفضه موسكو.
وتابع أن أي سلام لا يقوم على اعتراف كامل بالمطالب الروسية وحدودها الأمنية سيبقى هدنة ملغومة قابلة للانفجار، لا تسوية حقيقية قابلة للاستمرار.
من جانبه، قال عماد أبو الرب، رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، إن هناك مقاربة مغايرة تقوم على أن الهدنة تظل خطوة ضرورية، وإنْ كانت معقدة، للانتقال نحو تسوية سياسية أوسع تضع حدًّا للحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وفي حديثه لـ"إرم نيوز"، أكد رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، أن الجهود الدولية المتزايدة، ومنها المبادرات التي تقودها دولة الإمارات تعكس إدراكًا عالميًّا بأن استمرار الصراع دون أفق سياسي يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.
وكشف أبو الرب، أن الحديث عن سلام قريب لا يزال سابقًا لأوانه، في ظل تعقيدات ميدانية وضغوط متداخلة، سواء تلك التي تتعرض لها أوكرانيا من شركائها الغربيين أو تلك الناتجة عن واقع خطوط المواجهة.
وأشار إلى أن استمرار الهجمات الروسية، خاصة على البنية التحتية الحيوية يضعف فرص بناء الثقة اللازمة لأي تهدئة جادة، وأن أي مبادرة سلام، حتى وإن كانت محدودة، يمكن أن تشكل نافذة أمل إذا استندت إلى حلول وسط واقعية.
وأكد أبو الرب، أن كييف أبدت قدرًا من البراغماتية عبر التعامل مع ملف الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية من خلال القنوات الدبلوماسية، دون الذهاب إلى تصعيد عسكري شامل لاستعادتها.
وتابع أنّ "السلام الدائم يتطلب التزامًا صريحًا من جميع الأطراف باحترام أي اتفاق يتم التوصل إليه، وأن الهدنة إذا لم تُبنَ على خرائط وحدود وضمانات واضحة، قد تتحول إلى مجرد محطة مؤقتة في حرب مؤجلة".
وفي السياق ذاته، أشار عمرو الديب، مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، إلى أن الحديث عن التوصل إلى تسوية شاملة أو هدنة دائمة بين روسيا وأوكرانيا يظل أمرًا بالغَ التعقيد وصعب التحقيق في المرحلة الراهنة، نظرًا لتراكم ملفات جوهرية لم يُحسم أيٌّ منها بعد.
وتابع في حديثه لـ"إرم نيوز" قائلًا: إن الخلاف الأساسي يتمحور حول ملف الأراضي، في ظل تمسك كل طرف بموقف صلب، حيث تصر القيادة الأوكرانية على استعادة أراضيها، كما أن روسيا تعتبر الأقاليم الأربعة وشبه جزيرة القرم، إضافة إلى الموانئ المرتبطة بها، خارج أي نقاش تفاوضي.
وأشار الديب إلى أن هذا التباين الحاد في المواقف يدفع مسار المفاوضات مرارًا إلى طرق مسدودة، ويحد من فرص الوصول إلى اتفاق سياسي مستقر.
وأضاف مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، أن هناك ضغوطًا أمريكية كبيرة تُمارس على أوكرانيا، وكذلك على الدول الأوروبية، من أجل القبول باتفاق في حدوده الدنيا، يتمثل في وقف إطلاق النار، باعتباره خطوة مرحلية لتخفيف التصعيد.