logo
العالم

بعد محاولة اغتيال جنرال.. روسيا تلوّح بإنهاء "ضبط النفس" مع أوكرانيا

الجنرال الروسي نائب رئيس الاستخبارات العسكرية فلاديمير أل...المصدر: وزارة الدفاع الروسية

أدخلت محاولة اغتيال الفريق أول فلاديمير أليكسييف، نائب رئيس الاستخبارات العسكرية في روسيا، قدراً جديداً من عدم اليقين إلى حرب تقف أصلاً عند مفترق طرق بين التصعيد والتفاوض، كاشفةً عن تصدّعات متزايدة داخل النخبة السياسية والقومية في موسكو، وفق قراءة تحليلية نشرتها صحيفة "ذا تايمز" البريطانية.

وأُطلق الرصاص على أليكسييف، الرجل الثاني في "المديرية الرئيسية لهيئة الأركان العامة" للاستخبارات العسكرية الروسية، ثلاث مرات صباح الجمعة على يد مسلّح مجهول في بهو مبنى سكني كان يقيم فيه.

وعلى الرغم من إصابته بجروح خطيرة، أفادت تقارير بأنه قاوم المهاجم، ما دفعه إلى الفرار، وتقول السلطات الروسية إن أليكسييف ما زال في العناية المركزة، لكنه لم يعد في خطر داهم.

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، غير أن مسؤولين ومعلّقين روساً سارعوا إلى توجيه الاتهام إلى أوكرانيا، وهو ما نفته كييف.

 ويأتي الحادث في سياق سلسلة من عمليات الاغتيال التي استهدفت ضباطاً روساً كباراً، ويُعتقد على نطاق واسع أن أجهزة الأمن الأوكرانية تقف خلفها، ما عزّز في موسكو الانطباع بأن أليكسييف كان هدفاً مشروعاً ورمزياً.

وشغل أليكسييف موقعاً محورياً في الحرب السرّية الروسية. فقد أشرف على القوات الخاصة والعمليات السرّية، بما في ذلك الوحدة "29155"، التي ربطتها حكومات غربية بعمليات اغتيال وتخريب خارج روسيا، أبرزها محاولة تسميم ضابط الاستخبارات السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا عام 2018.

كما كان منخرطاً في محاولات مبكرة لاغتيال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وأدّى دوراً أساسياً في مفاوضات استسلام القوات الأوكرانية في مجمّع آزوفستال الصناعي في ماريوبول عام 2022.

وبالنسبة إلى كييف، حملت سيرة أليكسييف بعداً رمزياً إضافياً، فمولده في مدينة فينيتسا، الواقعة اليوم في وسط أوكرانيا، جعله يُنظر إليه كأحد أكثر خصومها التصاقاً بالصراع.

وفي حين تداولت بعض الأوساط الروسية فرضية انتقام من عناصر سابقة في مجموعة فاغنر، التي ساهم أليكسييف في تفكيكها بعد تمرّدها الفاشل عام 2023، تستبعد تحليلات الصحيفة هذا السيناريو، معتبرةً أن طبيعة العملية أقرب إلى عمل استخباراتي منظّم.

الدبلوماسية تحت الضغط

تزامن الهجوم مع مرحلة دقيقة من المسار التفاوضي. إذ يقود رئيس أليكسييف المباشر، الأميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس الاستخبارات العسكرية، محادثات غير معلنة مع ممثلين أوكرانيين.

وعلى الرغم من أن هذه الجولات لم تنجح بعد في ردم الفجوة بين مطالب موسكو الإقليمية واشتراطات كييف الأمنية، فإنها بدت، وفق توصيف الصحيفة، أكثر جدية وابتعاداً عن الاستعراض السياسي مقارنة بمحاولات سابقة.

وكان تبادل أسرى جرى في وقت سابق من الأسبوع، وهو الأول منذ أشهر، أحد النتائج الملموسة لهذه المحادثات. والأهم أن مصادر روسية وغربية تشير إلى بدء عمل تمهيدي على إطار محتمل قد يرسم مساراً لإنهاء الحرب لاحقاً هذا العام، وإن ظلّت التوقعات حذرة.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالوقوف وراء الهجوم بهدف عرقلة المفاوضات. ومع ذلك، لا تُظهر موسكو مؤشرات فورية على الانسحاب من المسار التفاوضي، بل تبدو حريصة على تقديم نفسها، ولا سيما أمام واشنطن، بوصفها الطرف الأكثر ضبطاً للنفس، عبر تصوير الحادث كاستفزاز مستعدة لتجاوزه.

انقسام داخل المعسكر القومي

بعيداً عن الدبلوماسية، عمّقت الحادثة التوترات الداخلية في روسيا. فمنذ أشهر، يواجه الكرملين ضغوطاً من التيار القومي المتشدّد، الذي يرى أن الحرب أُديرت بفتور. ويدعو هذا التيار إلى تعبئة واسعة، وفرض الأحكام العرفية، وتشديد القبضة الأمنية، وهي خطوات لا يزال الرئيس فلاديمير بوتين متحفّظاً حيالها.

ويرى هؤلاء المتشدّدون أن أي اتفاق سلام يُبقي أوكرانيا على مسار التقارب مع الغرب يمثّل خيانة لما يقدّرونه بأكثر من مليون قتيل وجريح روسي. وعلى الرغم من محدودية عددهم، فإن نفوذهم يتعاظم بحكم حضورهم داخل الأجهزة الأمنية وبين قدامى المحاربين.

ويخشى الكرملين أن يتحوّل الجنود العائدون من الجبهات، وهم محمّلون بإحباطات نفسية وجسدية، إلى قوة سياسية غير مستقرة إذا انتهت الحرب من دون "نصر حاسم" وفق التصوّر القومي.

في المقابل، قد يقبل قوميون أكثر براغماتية بتسوية تُكرّس السيطرة الروسية على المناطق المحتلّة وتفتح الباب أمام تخفيف جزئي للعقوبات، انطلاقاً من أولوية تجنّب اضطرابات داخلية إضافية، بحسب تحليل "ذا تايمز".

وحتى الآن، تجنّب بوتين الانحياز إلى أيّ من المعسكرين. واقتصر ردّه العلني على تمني الشفاء العاجل لأليكسييف، بينما تهرّب الكرملين من أسئلة حول تعزيز حماية كبار القادة العسكريين، في إشارة إلى تردّده في الإقرار بهشاشة الوضع في القمّة.

ضغط متزايد على الكرملين

على النقيض من ذلك، لم تُبدِ المنابر القومية المتشدّدة قدراً مماثلاً من التحفّظ. فقد صوّرت الحادثة دليلاً على أن روسيا مطالَبة إما بالتصعيد الحاسم أو بالتخلّي عما تسميه نهج "القفّازات البيضاء" في حرب ترى أن أوكرانيا تخوضها بلا قيود.

ومع تصاعد هذه النبرة، تتقلّص هوامش المناورة أمام الكرملين، فإذا تعثّرت المفاوضات، قد تدفع الحادثة بوتين نحو قدر من المرونة لتفادي ضغوط اقتصادية وسياسية داخلية. وفي المقابل، قد يجد نفسه مضطراً إلى تصعيد عسكري أكبر لإرضاء التيار القومي وإعادة تثبيت هيبته، كما خلص إليه تحليل الصحيفة.

في كل الأحوال، أكدت محاولة اغتيال فلاديمير أليكسييف حقيقة مركزية في عام الحرب الرابع: أن القرارات المتعلّقة بمستقبلها باتت تُصاغ بقدر ما تتأثر بما يجري داخل روسيا، بقدر ما تتأثر بتطوّرات ساحة المعركة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC