دخل العنف التطرفي في مالي الشهر الماضي مرحلة أكثر دموية، بعدما نفذت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" عملية إعدام جماعي بحق سائقي شاحنات صهريج كانوا ينقلون الوقود إلى العاصمة باماكو، في محاولة لكسر الحصار الذي تفرضه الجماعة المسلحة في غرب البلاد.
المجزرة التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 15 مدنيًّا، لم تكن حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في استراتيجية ترهيب ممنهجة، تطرح سؤالًا قانونيًّا وسياسيًّا بالغ الخطورة: من سيحاسب المتطرفين في ظل انسحاب مالي من المحكمة الجنائية الدولية.
وبحسب إدواردو غونزاليس، الخبير المستقل المكلّف من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتوثيق الوضع في مالي، فإن ما جرى في منطقة كايس قد يرقى إلى "جرائم ضد الإنسانية" إذا ثبت أنه جزء من هجوم واسع النطاق أو ممنهج ضد السكان المدنيين، وفق مجلة "جون أفريك".
غونزاليس لم يكتفِ بتوصيف الحادثة كجريمة حرب، بل حذّر من أن الطابع المنظم والمتكرر للهجمات يعكس سياسة إرهابية مدروسة، تهدف إلى شل الحياة الاقتصادية وإخضاع المدنيين بالقوة.
وتدعم الوقائع هذا التوصيف؛ ففي نوفمبر 2025، بثت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" تسجيلًا دعائيًّا أعلنت فيه صراحة أن سائقي شاحنات الوقود باتوا "أهدافًا عسكرية".
وبعد أسابيع، نُفذت التهديدات حرفيًّا. شهادات ميدانية، نقلها الاتحاد الوطني لسائقي الشاحنات في مالي، تؤكد أن المهاجمين لم يكتفوا بإطلاق النار على الموكب، بل احتجزوا السائقين الذين نجوا من الهجوم الأول، ثم أعدموهم بدم بارد قرب قرى مجاورة، في مشهد يعكس مستوى غير مسبوق من القسوة والتخطيط.
تزامنت هذه الجرائم مع إعلان مالي، إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر، نيتها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة اعتبرتها المجالس العسكرية الحاكمة "استعادة للسيادة" ورفضًا لما وصفته بـ"القضاء الاستعماري"؛ غير أن هذا القرار فتح، عمليًّا، فراغًا قانونيًّا يهدد بإفلات مرتكبي الجرائم الأشد خطورة من المحاسبة.
ورغم الإعلان السياسي، فإن الانسحاب لم يدخل حيّز التنفيذ بعد، إذ يتطلب نظام روما الأساسي إخطارًا رسميًّا وانتظار عام كامل قبل أن يصبح القرار نافذًا.
وحتى الآن، لم تُقدّم الدول الثلاث أي إخطار رسمي. ويرى الخبير الأممي السابق عليون تين، أن هذا التردد يعكس مفارقة عميقة: فبينما تحتاج هذه الدول إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة المتطرفين، تخشى في الوقت ذاته أن تطال الملاحقات عناصر من جيوشها أو حلفائها المحليين.
في محاولة لملء هذا الفراغ، أعلنت سلطات تحالف دول الساحل عن نيتها إنشاء "محكمة جنائية إقليمية" لمحاكمة الجرائم الجسيمة؛ غير أن هذا المشروع لا يزال، حتى الآن، إطارًا نظريًّا بلا مؤسسات أو آليات واضحة.
ولم يتجاوز النقاش بشأنه حدود التصريحات السياسية خلال قمم إقليمية، دون أي تقدم فعلي على الأرض.
في المقابل، تظل المحكمة الجنائية الدولية الجهة القضائية الوحيدة التي حققت اختراقات ملموسة في مالي، إذ أصدرت أحكامًا بحق شخصيات جهادية بارزة على خلفية جرائم حرب في تمبكتو.
ومع ذلك، لا يزال إياد أغ غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، حرًا رغم صدور مذكرة توقيف دولية بحقه منذ 2017.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو العدالة في مالي معلقة بين خطاب السيادة وواقع الإفلات من العقاب. ومع تصاعد وتيرة العنف واستهداف المدنيين بشكل مباشر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيجد ضحايا الجرائم الجهادية طريقهم إلى العدالة، أم أن الانسحاب من المنظومة الدولية سيمنح القتلة مزيدًا من الوقت والدماء.