يشير الخلاف الأخير داخل المؤسسة السياسية الإيرانية إلى اتساع الفجوة بين القيادة العليا للبلاد؛ ما يبدو أن إيران لا تتفاوض مع الولايات المتحدة فحسب، بل تتفاوض أيضًا مع نفسها، وفق تقرير لموقع "المونيتور" الأمريكي.
كما توحي الانقسامات التي أكدتها تقارير استخباراتية أمريكية، منذ بدء الفراغ القيادي مع مقتل المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي، في مستهل الحرب الأخيرة، بأن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة قد يصبح أكثر صعوبة مع تعمّق الخلافات الداخلية.
وكانت ذروة الخلافات الإيرانية الداخلية ظهرت إلى العلن بعد تصريحات وزير الخارجية، عباس عراقجي، الأسبوع الماضي بشأن فتح مضيق هرمز، مبرزة عمق الانقسام بين المعسكر البراغماتي الدبلوماسي والمؤسسة الأمنية المتشددة المتمركزة حول الحرس الثوري الذي أعاد غلق الممر المائي الحيوي.
ومع تمديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقف إطلاق النار، تتزايد المؤشرات على أن صنع القرار في إيران أصبح أكثر تشتتًا وغموضًا؛ ما يعقّد أي محاولات للتفاوض مع واشنطن.
وبعد بيان عراقجي يوم الجمعة عبر منصة "إكس"، الذي أكد فيه قرار طهران بفتح مضيق هرمز بالكامل خلال وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، سارعت وسائل إعلام تابعة للحرس الثوري إلى شن هجوم حاد عليه، لتصف وكالة تسنيم الادعاء بأنه "سيئ وغير مكتمل"، بينما تحدثت وكالة فارس عن "غموض مضلل" بشأن إعادة فتح الممر المائي الإستراتيجي.
وأكدت هذه الوسائل أن القوات المسلحة الإيرانية ستواصل السيطرة على تحديد السفن المسموح لها بعبور المضيق؛ ما يعني عمليًّا إعادة فرض الإغلاق الكامل بعد ساعات قليلة فقط من تصريح الوزير.
ويسلّط هذا الرد السريع الضوء على انقسام متزايد داخل النظام حول السيطرة على السرد السياسي والإستراتيجية تجاه واشنطن، فمن جهة، يرى المعسكر البراغماتي، المرتبط بالدبلوماسيين وأجزاء من القيادة المدنية، أن المفاوضات ليست تراجعًا بل "استمرار للمواجهة".
في مقابلة تلفزيونية يوم السبت، دافع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف عن هذا النهج قائلًا: "المحادثات أسلوب في القتال"، مشددًا على ضرورة ترسيخ "مكاسب" إيران الميدانية من خلال الدبلوماسية.
أما الشخصيات المتشددة، خاصة داخل فصيل "بايداري" المناهض للغرب في البرلمان، فتكثّف انتقاداتها لفريق التفاوض، إذ وصف النائب أمير حسين ثابتي في تجمعات مؤيدة للنظام الدبلوماسيين بأنهم "يخاطرون بمكاسب إيران"، محذرًا بأن "الواجب الدبلوماسي هو الحفاظ على الخطوط الحمراء، لا التوصل إلى اتفاق بأي ثمن".
كما ذهب ثابتي إلى أبعد من ذلك برفض المفاوضات رفضًا قاطعًا، معتبرًا أن "أمريكا وإسرائيل لن تنهيا عداوتهما"، سواء تم الاتفاق أم لا.
يمتد الخلاف الإيراني الداخلي إلى الملف النووي، حيث يُعتبر مخزون اليورانيوم المخصب "أصلًا إستراتيجيًّا" لا يحق للمفاوضين المساومة عليه، كما يرى المتشددون أن الردع العسكري هو السبيل الوحيد، بينما يدفع البراغماتيون باتجاه إدارة الأزمة تحت الضغط الاقتصادي والإقليمي.
ويبرز دور الحرس الثوري في قلب هذا الصراع، فبعد أقل من يوم من تغريدة عراقجي، أعلن الجهاز المتحكم بالعديد من مفاصل الدولة إعادة فرض الإغلاق الكامل للمضيق؛ ما أثار ردَّ فعلٍ أمريكيًّا حادًّا وإعلان ترامب عن استيلاء البحرية الأمريكية على سفينة إيرانية.
ومن الناحية الرسمية، تُتخذ القرارات عبر نظام متعدد المستويات يشمل الرئاسة والبرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يقوده حاليًّا الجنرال محمد باقر ذو القدر التابع للحرس.
أما عمليًّا، فقد أصبح الحرس الثوري يتمتّع بنفوذ أكبر خلال الصراع الأخير، خاصة مع تحول الأزمة إلى بعد عسكري، بينما يزداد الوضع تعقيدًا بسبب السرية المحيطة بأعلى مستويات النظام بعد مقتل خامنئي.
وجعل غياب الزعيم الوحيد المهيمن الخلافات أكثر وضوحًا، فيما يُشاع إصابة ابنه مجتبى، الذي خلفه بمنصب المرشد الأعلى، بجروح خطيرة في غارات أمريكية وإسرائيلية؛ ما يزيد حالة عدم اليقين حول من يدير عملية صنع القرار فعليًّا.
يخلق هذا الواقع هامش عمل ضيّقًا وغير مستقر للفريق الدبلوماسي، بحسب "المونيتور"، فبينما يسعى البراغماتيون للانخراط في محادثات محتملة في إسلام آباد، يحدد جهاز الأمن القومي الشروط مسبقًا، وهي لا تفاوض تحت التهديد، بينما تحذّر الفصائل المتشددة من رفض أي اتفاق يُعتبر "استسلامًا".