عاد البيت الأبيض ليؤكد أن زيارة الوفد المفاوض إلى العاصمة الباكستانية قد أرجئت، بعد قرار وصف بأنه "تجميد مؤقت" إلى حين اتضاح مواقف الطرف الآخر في مسار التفاوض.
وفي خضم هذا الغموض، أعلن الرئيس دونالد ترامب، عبر منصة للتواصل الاجتماعي، تمديد وقف إطلاق النار قبل ساعات قليلة من موعد انتهائه، عقب انقضاء مدة الاتفاق الأول الذي توصل إليه الجانبان الإيراني والأمريكي بوساطة رباعية إقليمية قبل أسبوعين، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل التهدئة ومسار المفاوضات.
وقال الرئيس دونالد ترامب إن قرار تعليق الهجوم جاء أيضًا بناءً على طلب من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف، لإتاحة المجال أمام طهران لتوحيد موقفها وتقديم مقترح متماسك في مسار التفاوض، استنادًا إلى ما وصفه بانقسام حاد داخل الحكومة الإيرانية.
وقال ترامب "طلب منا تعليق هجومنا على إيران إلى أن يتمكن قادتها وممثلوها من تقديم مقترح موحد".
ولم يحدد ترامب في هذه التغريدة إطارًا زمنيًا لتمديد وقف إطلاق النار؛ ما يشير إلى تعمد إبقاء القرار مفتوحًا دون سقف محدد، في دلالة على أن مسار التهدئة بات مرهونًا بما ستسفر عنه المشاورات الداخلية الإيرانية وإمكانية بلورة رؤية تفاوضية موحدة في الجولة المقبلة.
هذه الجولة كان سبقها الكثير من التأكيدات من جانب الرئيس ترامب ان اتفاقا وشيكا بات قريبا مع الإيرانيين، وأن جميع المطالب الأمريكية قد تم قبولها من قبل المفاوضين الإيرانيين، بل إن الرئيس ترامب في مناسبات محددة ذهب إلى الحديث على أن واحدا من عناصر الاتفاق التي تم التوصل إليها هو قبول طهران بتسليم كميات اليورانيوم والمساعدة في نقله الى الولايات المتحدة من قبل الإيرانيين.
في مقابل هذا التأكيد السياسي من جانب الرئيس ترامب لم تغب في الوقت ذاته تلك التهديدات التي تتضمن الاستعداد للعودة إلى العمليات العسكرية، والتهديد مجددا باستهداف وبقسوة منشآت الطاقة الإيرانية، والإعلان عن قدرة القوات الأمريكية على إنهائها خلال يوم واحد أو ربما خلال ساعات.
بين ذلك التبشير الدبلوماسي الذي تحدث عنه الرئيس ترامب وكبار مسؤولي إدارته وذلك التهديد العسكري عادت أزمة مضيق هرمز إلى الواجهة مجددا، بعد ذلك الحادث الطارئ على خلفية الصدام بين قوات البحرية الأمريكية وناقلة النفط الإيرانية التي حاولت كسر الحصار البحري الذي تفرضه القوات الأمريكية على الموانئ الإيرانية.
اعتاد البيت الأبيض طيلة الأسبوعين الماضيين أن يقدم روايات مختلفة في كل يوم عن مسار المفاوضات مع إيران في شقيها العلني أو في شقها السري المتروك لجهود الوسيط الباكستاني، الذي هو الوحيد القائم بهذا الدور في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الجانبين الأمريكي والإيراني.
في كل رواية يقدمها البيت الأبيض هناك رواية إيرانية مخالفة ومختلفة التفسير المقدم من قبل الرئيس ترامب، سواء في أحاديثه المتكررة لمراسلي البيت الأبيض أو من خلال تغريداته المتجددة على منصته للتواصل الاجتماعي "تروت سوشيال".
كل ذلك ظل قائما إلى أن فجرت حادثة ناقلة النفط الإيرانية الأزمة ورفعت سقف الخلافات العلنية إلى حدها الأقصى مجددا، عبر تأكيد الرئيس ترامب من جانبه أن إيران فتحت مضيق هرمز بالكامل أمام حركة السفن التجارية، لكن في الوقت ذاته الإبقاء على الحصار على الموانئ الإيرانية.
لاحقا ردت إيران على التصريحات الأمريكية بإعادة إغلاق مضيق هرمز مجددا، وهنا عاد الرئيس مجددا إلى لغة التهديد باستخدام القوة العسكرية القصوى ضد إيران.
كل هذه التطورات المتسارعة سبقت الأيام الأخيرة التي تأتي قبل موعدين في غاية الحسم والحساسية؛ أولهما موعد العودة المحتملة للمفاوضات، وبحث مصير وقف إطلاق النار بين احتمال التمديد او التجميد، وإنهاء فرصة الدبلوماسية واستئناف العمليات العسكرية من الجانبين.
في خضم هذه التطورات كان هناك سؤال وحيد يتكرر في العاصمة واشنطن وعلى كل لسان في محيط البيت الأبيض وداخل مبنى الكونغرس، حول حقيقة القرار الأمريكي بشأن الذهاب إلى إسلام آباد من عدم ذلك.
وأعلن البيت الأبيض عبر بيان رسمي أن زيارة الوفد الأمريكي إلى باكستان لن تتم الثلاثاء، وأن أي تطورات بشأن الاجتماعات المباشرة سيعلن عنها من قبل البيت الأبيض.
هذا البيان الصادر من البيت الأبيض جاء محاولة من مسؤولي الإدارة لإنهاء حالة الجدل التي دارت في واشنطن حول غياب إيران عن المفاوضات، لكن البيان نفسه أبقى الباب مفتوحا أمام جميع الاحتمالات من خلال الإشارة إلى أن أي تعديل في المواقف سوف يصاحبه تحديث من قبل مسؤولي البيت الأبيض.
قبل ساعات محدودة جدا من هذا الإعلان من جانب الرئيس ترامب، أكد هو شخصيا في حديثه لوسائل الإعلام الأمريكية أنه لا يؤيد فكرة تمديد وقف إطلاق النار، مع تجديد التأكيد أن القوات الأمريكية في أتم الجاهزية لاستئناف ضرباتها الجوية ضد إيران.
بعد ساعات من هذا التأكيد خرج الرئيس ترامب ليقول إنه قبل الوساطة الباكستانية التي دعته إلى تأجيل الهجمات التي كانت مقررة مباشرة في أعقاب انتهاء موعد وقف إطلاق النار، في حال عدم التوصل إلى اتفاق في جولة المفاوضات الجديدة في إسلام آباد.
لم يكن هذا هو التغيير الوحيد في المواقف الذي أظهرته الإدارة في الأيام الأخيرة تجاه تطورات المواجهة الدبلوماسية والعسكرية مع إيران؛ وهو ما أدى الى حالة من الغموض في فهم الأمريكيين لمسار الأحداث وطريقة إدارة الحرب للشقين العسكري والدبلوماسي في هذه الحرب.
مصادر عسكرية في العاصمة واشنطن تقول إن القوات الأمريكية المنتشرة في المحيط المائي لإيران جاهزة لاستئناف عملياتها العسكرية، حالما تلقت الضوء الأخضر من الرئيس ترامب للسماح لها بقصف الأهداف الإيرانية المرسومة في خطط وزارة الحرب.
ترامب قال في نهاية الأسبوع إن القوات الأمريكية لا تزال تحتفظ بخطتها لاستهداف المصالح الحيوية الإيرانية، لكنه لا يزال حتى الآن يمتنع عن إعطاء الأوامر العسكرية بالعودة مجددا الى العمليات.
في سياق مختلف تماماً وفي خطوة تبدو أنها تهدف إلى ممارسة مزيد من الضغوط الإضافية على الإيرانيين، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن سلسلة عقوبات جديدة على طهران تستهدف قدرتها على الوصول إلى قطع غيار جديدة لمعالجة أنظمتها الصاروخية الباليستية وكذلك منشآت صناعة طائراتها المسيرة.
قبل ذلك كان الرئيس ترامب أعلن أن إيران جراء الحصار المفروض عليها تخسر يوميا ما يعادل 500 مليون دولار، وهي مسألة مرهقة جدا لموارد الخزانة الإيرانية العمومية حتى لو كان ذلك لوقت قصير، ولذلك فإن الأمر سوف يكون أشد إرهاقا على المدى البعيد للإيرانيين.