لم تعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية داخل إيران تُفسَّر بالتفوق الجوي أو استخدام ذخائر دقيقة فحسب، بل تكشف تقاطعات تقارير استخبارية وتحقيقات غربية عن مستوى متقدم من الاختراق المعلوماتي، يطال البيئة الأمنية الداخلية التي يعتمد عليها النظام الإيراني لضبط المجال العام.
فوفق تحقيق نشرته وكالة "أسوشيتد برس"، اعتمدت العمليات الإسرائيلية بدرجة لافتة على معلومات دقيقة تتعلق بتحركات شخصيات أمنية وعسكرية داخل المدن الإيرانية، بما في ذلك العاصمة طهران، وهو ما يشير إلى وجود مصادر بيانات داخلية عالية الحساسية تُستخدم في تحديد الأهداف.
منظومة المراقبة تحت الاختبار
تقوم البنية الأمنية الداخلية في إيران على شبكة واسعة من أدوات المراقبة تشمل كاميرات الطرق، وأنظمة التعرف على الوجوه، وقواعد بيانات بيومترية مرتبطة بأجهزة الأمن والحرس الثوري، وهذه المنظومة صُممت لتعزيز السيطرة الداخلية، لكنها أصبحت، وفق تقديرات بحثية، جزءاً من بيئة معلوماتية قابلة للاستهداف في سياق الحروب الحديثة.
وتشير تقارير معهد دراسة الحرب (ISW) ومشروع التهديدات الحرجة (CTP) إلى أن دقة الضربات التي طالت أهدافاً داخل بيئة حضرية معقدة تعكس توافر معلومات آنية نسبياً حول تحركات الأهداف، دون أن تحدد بشكل مباشر طبيعة هذه المصادر، لكنها ترجّح وجود اختراق استخباري متقدم داخل العمق الإيراني.
هذا النمط من العمليات، الذي يجمع بين الدقة الزمنية والمكانية، يدفع بعض التقديرات إلى ترجيح احتمال الاستفادة من بيانات مراقبة داخلية أو اختراق شبكاتها، دون وجود تأكيدات علنية حاسمة حول الآليات المستخدمة.
استخبارات رقمية في قلب العمليات
في هذا السياق، يرى الخبير الأمني الأردني عامر السبايلة أن ما يحدث يعكس تحولاً في طبيعة العمل الاستخباري، ويقول لـ"إرم نيوز" إن "الدول التي تعتمد على أنظمة مراقبة مركزية واسعة، تصبح أكثر عرضة لما يُعرف بالاختراق العكسي، حيث يمكن أن تتحول البيانات التي تُجمع لأغراض أمنية داخلية إلى مصدر معلومات في حال تم اختراقها".
ويضيف أن "الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المصادر البشرية، بل على السيطرة على تدفقات البيانات، وهو ما يمنح الطرف الذي يمتلك القدرة على النفاذ إلى هذه البيانات أفضلية كبيرة في تحديد الأهداف".
ولا يبدو أن هذا التحول معزول عن السياق الأوسع للحرب؛ إذ تشير تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن العمليات العسكرية المعاصرة باتت ترتكز بشكل متزايد على التكامل بين الضربات العسكرية والهجمات السيبرانية التي تستهدف شبكات نقل البيانات وأنظمة الاتصالات.
كما يلفت معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن استهداف "البنية المعلوماتية" للخصم أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجيات الحرب، لما يوفره من قدرة على تقليص الفجوة بين جمع المعلومات، وتنفيذ الضربات.
ارتباك أمني إيراني
انعكست هذه التطورات على سلوك الأجهزة الأمنية الإيرانية، حيث تشير تقديرات معهد دراسة الحرب (ISW) إلى حالة من الارتباك داخل هذه الأجهزة، ظهرت في تغييرات على أنماط تحركات القيادات، وتقليل الاعتماد على المقار الرسمية، في محاولة للحد من احتمالات التتبع.
ويشير السبايلة إلى أن "مجرد الشك في احتمال اختراق أدوات المراقبة أو الاتصالات يخلق أزمة ثقة داخل الجهاز الأمني، وهو ما يؤدي إلى تباطؤ في اتخاذ القرار، وارتفاع مستوى الحذر، بما يؤثر على الكفاءة التشغيلية" .
معادلة صعبة
تضع هذه المعطيات النظام الإيراني أمام تحدٍ معقد، يتمثل في كيفية الحفاظ على منظومة المراقبة كأداة أساسية للسيطرة الداخلية، وفي الوقت نفسه تقليل مخاطر تعرضها للاختراق أو الاستغلال، فكلما توسعت هذه الشبكات وازدادت مركزيتها، زادت قيمتها الاستخبارية في حال تم النفاذ إليها، وهي معادلة معروفة في أدبيات الأمن السيبراني، حيث تتحول الأنظمة الواسعة إلى أهداف ذات أولوية عالية.
في المحصلة، تشير هذه التطورات إلى أن الحرب لم تعد تُدار فقط عبر التفوق العسكري التقليدي، بل عبر القدرة على الوصول إلى المعلومات داخل العمق الإيراني وتحليلها وتوظيفها. وفي ظل هذا التحول، تصبح السيطرة على البيانات عاملاً حاسماً، لا يقل أهمية عن السيطرة على المجال الجوي أو الأرضي.