يدخل ملف نزع سلاح "العمال الكردستاني" مرحلة جديدة مع انتقاله إلى البرلمان التركي، حيث يجري بحثه هذه المرة ضمن إطار قانوني وتشريعي يتقاطع مع ملفات السجناء والعمل الحزبي والإدارة المحلية.
وطرح الملف في هذا التوقيت يربطه مباشرة بالسياق السياسي الداخلي في تركيا، وبالنقاش الدائر حول التحالفات الانتخابية في المدن الكبرى، التي يشكل فيها الصوت الكردي عنصرًا مرجحًا في نتائج الانتخابات.
ومنذ إقرار اللجنة البرلمانية تقريرها، دخل الملف مرحلة المشاورات السياسية والقانونية خلال شهر آذار الجاري لصياغة الإطار التشريعي، على أن تبدأ لجنة العدل مناقشة مشروع القانون بعد انتهاء عطلة عيد الفطر مباشرة، وذلك تمهيدًا لعرضه على البرلمان للتصويت.
ويعكس هذا التسلسل الزمني قرارًا سياسيًا بنقل الملف من مستوى المعالجة الأمنية إلى مستوى التسوية القانونية–السياسية، وهو تحول يرتبط عادةً بمراحل إعادة ترتيب المشهد السياسي.
يتناول مشروع القانون تصنيف المقاتلين وأوضاع السجناء والمسار القضائي للفئات المختلفة، إلى جانب ترتيبات قانونية تتعلق بالإفراج أو تخفيف الأحكام، ما يضع البرلمان أمام إعادة تنظيم الإطار القانوني للمرحلة الجديدة.
كما يتناول التقرير البرلماني أيضًا مقترح إعادة دمج المقاتلين الذين لم يتورطوا في أعمال عنف مباشرة، وتحديد المسار القضائي للفئات الأخرى، إلى جانب مراجعة بعض مواد قانون مكافحة الإرهاب، وهو ما يعني أن البرلمان سيتولى وضع الإطار القانوني الكامل للمرحلة الجديدة.
وتزامن تحريك المسار التشريعي مع مرحلة سياسية داخلية، حيث بدأت الأوساط السياسية التركية تتحدث عن المرحلة الانتخابية المقبلة، في المدن الكبرى التي تشكل مركز الثقل السياسي والاقتصادي، وصولًا إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2028.
ويتعلق إدخال هذه الملفات مجتمعة إلى النقاش البرلماني، بإعادة تشكيل المجال السياسي الكردي داخل تركيا. فملف السجناء، وإمكانية عودة شخصيات سياسية إلى العمل العام، وإعادة تنظيم العمل الحزبي الكردي، كلها عناصر ترتبط بإعادة بناء التمثيل السياسي للأكراد داخل البرلمان والبلديات، وهو ما يمنح هذا المسار بعدًا سياسيًا يتجاوز مسألة نزع السلاح نفسها.
بينما يتزامن تحريك المسار القانوني مع مواقف حكومية أكدت أن ملف نزع السلاح دخل مرحلة جديدة، حيث أعلن وزير العدل، يلماز تونتش، في تصريحات أدلى بها مؤخرًا أن البرلمان سيحدد الخطوات القانونية قريبًا ضمن عملية نزع السلاح.
كذلك ترافقت النقاشات البرلمانية حول الإطار القانوني مع تصاعد النقاش السياسي حول ملفات مرتبطة بالمسار الكردي داخل تركيا، من بينها ملف السجناء السياسيين الأكراد، وعلى رأسهم صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، وهو الحزب الذي مثّل القاعدة السياسية الرئيسية للحركة السياسية الكردية داخل البرلمان خلال السنوات الماضية.
ولعب صلاح الدين دميرطاش في انتخابات 2015 دورًا أساسيًا في توجيه جزء كبير من أصوات الناخبين الأكراد في المدن الكبرى، حيث يمتد تأثير التصويت الكردي إلى إسطنبول وأنقرة وإزمير، وهو ما يمنح هذا الصوت وزنًا انتخابيًا مؤثرًا في الانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية.
وعودة اسم دميرطاش إلى النقاش السياسي في هذا التوقيت لا يمكن فصلها عن النقاش الأوسع حول مستقبل التمثيل السياسي الكردي بعد نزع السلاح، إذ إن أي تسوية قانونية لملف السجناء أو إعادة تنظيم الحياة الحزبية الكردية يمكن أن تؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية الكردية.
وشهدت تركيا بين عامي 2013 و2015 تجربة "مسار السلام"، التي سمحت آنذاك بتوسع الحضور السياسي للحركة الكردية في البرلمان والبلديات. خلال تلك المرحلة برز حزب الشعوب الديمقراطي كقوة سياسية مؤثرة، ونجح في انتخابات 2015 في دخول البرلمان بنسبة تجاوزت 13%.
منذ عام 2016 عُزل عشرات رؤساء البلديات المنتخبين في المدن ذات الغالبية الكردية، وتم تعيين إدارات بديلة لإدارة تلك البلديات، وتشير تقارير إلى أن عدد البلديات التي وُضعت تحت إدارة أوصياء منذ ذلك العام تجاوز تسعين بلدية، كما تم تعيين أوصياء في عشرات البلديات التي فاز بها الحزب الكردي في انتخابات 2019، وهو ما جعل ملف البلديات والإدارة المحلية أحد الملفات السياسية الحساسة المرتبطة بالعلاقة بين الدولة والحركة السياسية الكردية.
في انتخابات 2019 خسر حزب العدالة والتنمية بلدية إسطنبول وبلدية أنقرة، وهما أهم بلديتين في تركيا من حيث الميزانية والنفوذ السياسي، إضافة إلى خسارة بلديات كبرى أخرى مثل أضنة ومرسين وأنطاليا. خسارة إسطنبول تحديدًا شكلت ضربة سياسية كبيرة للحزب الحاكم، لأن إسطنبول تمثل المركز الاقتصادي والإعلامي والسياسي في البلاد.
نتائج تلك الانتخابات حُسمت بفارق أصوات محدود، وأصوات الناخبين الأكراد في إسطنبول وأنقرة لعبت دورًا حاسمًا في تلك النتائج، بعد أن اتجهت نسبة كبيرة من هذه الأصوات إلى دعم مرشحي المعارضة، حيث حُسمت انتخابات إسطنبول بفارق نحو 800 ألف صوت في الإعادة، بعد أن كانت الفوارق ضئيلة في الجولة الأولى.
لذلك يُقرأ مسار تصنيف مقاتلي "العمال الكردستاني" ضمن سياق إعادة ترتيب العلاقة بين أنقرة والحركة السياسية الكردية، وهو مسار يمكن أن ينعكس على التحالفات الانتخابية في المدن الكبرى قبل الانتخابات المقبلة.
بينما تُظهر الخريطة الانتخابية في تركيا أن استعادة جزء من أصوات الناخبين الأكراد في إسطنبول وأنقرة كفيلة بتغيير نتائج الانتخابات البلدية، لأن الكتلة الناخبة الكردية تمثل وزنًا انتخابيًا قادرًا على ترجيح النتائج في المدن الكبرى، لذا فإن أي تحول في اتجاه التصويت الكردي ينعكس مباشرة على نتائج البلديات.
مناقشة قانون نزع السلاح، وطرح ملف السجناء، والحديث عن عودة دميرطاش، وفكرة إنشاء حزب سياسي جديد للأكراد في تركيا، كلها تحركات تجري قبل الانتخابات العامة في البلاد، وفي مرحلة سياسية تحتاج فيها الأحزاب إلى إعادة ترتيب التحالفات الانتخابية في المدن الكبرى.
بهذا المعنى، فإن مسار نزع السلاح، وملف السجناء، وإمكانية إعادة تنظيم العمل الحزبي الكردي، وملف البلديات، كلها تتحرك ضمن سياق سياسي واحد يرتبط بإعادة ترتيب التوازنات الانتخابية في تركيا. فالقضية لا تتعلق فقط بإنهاء ملف أمني عمره عقود، بل تتعلق أيضًا بإعادة إدماج جزء من الحركة السياسية الكردية داخل النظام السياسي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تغيير اتجاهات التصويت في المدن الكبرى، وبالتالي التأثير في نتائج الانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية المقبلة.