logo
العالم

العمق لم يعد آمناً.. القنابل الخارقة تعيد رسم حدود التحصين الإيراني

إطلاق قنبلة خارقة للدروع من طراز GBU-57 خلال اختبار.المصدر: مجلة "القوات الجوية والفضاء"

تكشف المعطيات الميدانية في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على  إيران عن تحول مهم في طبيعة الصراع، يتمثل في تراجع فكرة "التحصين المطلق" تحت الأرض، دون أن يعني ذلك نهاية فعالية هذه المنشآت التي لا تزال تمثل أحد أهم عناصر الصمود العسكري.

أخبار ذات علاقة

المتحدث بإسم الكرملين دميتري بيسكوف

الكرملين يحذر من امتداد الحرب الإيرانية إلى بحر قزوين

فخلال الأسابيع الأخيرة، أظهرت صور أقمار اصطناعية وتقارير عسكرية تعرض عدد من المواقع المحصنة، بما فيها منشآت صاروخية ومخازن تحت الأرض، لأضرار مباشرة رغم وجودها تحت طبقات من الصخور والخرسانة، وهو ما يعكس تطوراً واضحاً في قدرات الاختراق الجوي.

سلم الاختراق الجديد

تشير تقارير مجلة "القوات الجوية والفضاء" الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة استخدمت قنابل خارقة للتحصينات من طراز (GBU-72)، وهي ذخائر مصممة لاختراق الأهداف المدفونة بعمق قبل الانفجار داخلها، ما يرفع مستوى التدمير مقارنة بذخائر أقدم مثل (GBU-28).

أخبار ذات علاقة

غارة إسرائيلية على بيروت

إسرائيل تعلن اغتيال عنصر من فيلق القدس الإيراني في لبنان

كما يلفت موقع "ذا وور زون" (The War Zone) إلى أن قاذفات B-2 اعتمدت على مجموعة متدرجة من الذخائر، من بينها (BLU-109/GBU-31) لضرب مداخل الأنفاق، وصولاً إلى ذخائر أثقل مثل (GBU-57) المخصصة للأهداف الأكثر تحصيناً.

هذا التدرج يعكس انتقال العمليات إلى نمط يعتمد على "سلم اختراق" يتناسب مع عمق الهدف وطبيعته، ما يعني أن التحصين لم يعد عائقاً ثابتاً، بل تحدياً يمكن التعامل معه بأداة مناسبة لكل مستوى.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

تشكيك إسرائيلي في نجاح مساعي ترامب لإبرام اتفاق مع إيران

نهاية الحصانة المطلقة

تشير المعطيات الصادرة عن معهد دراسة الحرب (ISW) إلى أن دقة الضربات التي استهدفت مواقع داخل  إيران تعكس مستوى متقدماً من التكامل بين المعلومات الاستخباراتية والقدرات التدميرية، ما يقلّص من هامش الحماية الذي توفره المنشآت الثابتة، بما في ذلك تلك الواقعة تحت الأرض.

كما توضح تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن تطور الذخائر الموجهة بدقة، ولا سيما الخارقة للتحصينات، أدى إلى تراجع فعالية التحصينات التقليدية عندما تكون مواقعها معروفة، إذ تصبح أكثر عرضة للاستهداف المباشر.

تحميل قنبلة GBU-57 الخارقة للدروع.

وفي السياق نفسه، يشير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن فعالية الضربات الحديثة ترتبط بشكل متزايد بالقدرة على تحديد النقاط الحساسة داخل المنشآت، وهو ما يضاعف تأثيرها حتى ضد الأهداف المحصنة.

أخبار ذات علاقة

مضيق هرمز

12 لغما نشطا.. خفايا الأفخاخ الإيرانية في مضيق هرمز

وبذلك، تبدو المنشآت محدودة العمق أو ذات البنية الثابتة أكثر عرضة للاختراق، مقارنة بالمنشآت العميقة أو الممتدة أفقياً داخل تضاريس معقدة، ما يعيد تعريف مفهوم "الأمان تحت الأرض" بدلاً من إلغائه.

العمق يقاوم

في المقابل، لا تزال التحصينات تحت الأرض تحتفظ بأهمية استراتيجية واضحة، خاصة لدى الأطراف التي تواجه تفوقاً جوياً وتقنياً.

ويشير الباحث كريستيان ألكسندر من معهد ربدان للأمن والدفاع إلى أن الشبكات الجوفية تمثل أداة حاسمة في الحروب الحديثة؛ إذ تمكّن الجهات الأضعف من الصمود وإخفاء قدراتها وتعطيل وتيرة العمليات العسكرية التقليدية.

أخبار ذات علاقة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف

باكستان تعلن استعدادها لاستضافة محادثات أمريكية-إيرانية لإنهاء الحرب

وتظهر تجارب حديثة في الشرق الأوسط، من غزة إلى اليمن، أن هذه البنى التحتية قادرة على إطالة أمد الصراع، والحفاظ على استمرارية العمليات رغم القصف المكثف.
ولا تقتصر وظيفة هذه المنشآت على الحماية فقط، بل تمتد إلى توفير بيئة لاستمرار القيادة والسيطرة، وتخزين الأسلحة، وتنفيذ عمليات إطلاق وهجوم مفاجئة، وهي عناصر يصعب تعويضها عبر منشآت سطحية مكشوفة.

معادلة الاختراق والإخفاء

في ضوء ذلك، تبدو الحرب الحالية وكأنها صراع بين قدرتين متقابلتين: قدرة متزايدة على الاختراق من جهة، وقدرة على الإخفاء والتكيّف من جهة أخرى.

في هذا السياق، يوضح كريستيان ألكسندر أن البيئة تحت الأرض تقلل من فعالية أدوات الاستطلاع والمراقبة، وتجبر القوات المتفوقة على خوض عمليات أكثر تعقيداً وبطئاً، ما يمنح الطرف المدافع قدرة على إعادة تنظيم صفوفه وإطالة أمد المواجهة.

في المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى أن تطور الذخائر الخارقة للتحصينات، المدعومة بمعلومات استخباراتية دقيقة، يساهم في تقليص هذا الهامش من الحماية، خاصة عندما تكون مواقع المنشآت معروفة أو محددة بدقة.

وبين هذين المسارين، يتشكل نمط متغير من الصراع، حيث تدفع قدرات الاختراق المتقدمة إلى تطوير تحصينات أكثر تعقيداً، تقوم على زيادة العمق، وتوسيع الامتدادات الأفقية، وتعزيز التمويه.

الفعالية عبر المرونة

في هذا السياق، يرى الخبير العسكري كمال الجفا في تعليق لـ"إرم نيوز" أن ما يجري لا يعني نهاية التحصينات، بل نهاية الاعتقاد بأنها توفر حماية مطلقة، مؤكداً أن فعاليتها باتت مرتبطة بمرونتها وقدرتها على التكيف مع تطور وسائل الاستهداف.

ويضيف أن العمق لم يعد ملاذاً آمناً كما في السابق، لكنه لم يفقد أهميته أيضاً، إذ بات جزءاً من معركة أوسع تتداخل فيها التكنولوجيا مع الجغرافيا، ويتحدد فيها ميزان القوة بين من يملك القدرة على الاختراق، ومن ينجح في البقاء خارج نطاق الكشف.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC