أثارت دعوة الرئيس الأمريكي "الجمهوري" دونالد ترامب، باعتقال الساكن الأسبق للبيت الأبيض "الديمقراطي" باراك أوباما، جدلًا كبيرًا حول مدى مصير حصانة الرؤساء السابقين في الولايات المتحدة، وحمايتهم من أي تهديد على إبداء الرأي أو طرح ملف ما، لا يروق لصاحب القرار.
لكن يبدو أن هذا الفصل "ترامب – أوباما"، سيكون فصلًا مهمًا في العملية السياسية الأهم بالولايات المتحدة، وهي انتخابات التجديد النصفي بالكونغرس نوفمبر 2026، وهو ما يوحي أن مواجهة الجمهوريين والديمقراطيين ستكون معركة "تكسير عظام".
معركة الكونغرس تحضر مبكرًا
ويعتبر دخول أوباما ذو الثقل الديمقراطي في هذا المواجهة "الشرسة"، بمثابة ممارسة ضغط أكبر على الجمهوريين، الذين يراهنون على هذا الاستحقاق الانتخابي، في ظل ملفات متداخلة وتخبط عالي المستوى بسبب سياسات ترامب، لا سيما في ملفات الهجرة وارتفاع الأسعار مع قصة إبستين.
وكان قد دعا دونالد ترامب مؤخرًا إلى اعتقال باراك أوباما فورًا، متهمًا إياه بأنه كان وراء اتهامات "مفبركة" بشأن ما عرف بقضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية.
"اعتقلوا أوباما فورًا!"
تحدث ترامب عن أن الرئيس الأسبق، حاول تنفيذ "انقلاب سياسي" خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016، عبر استخدام ملف "روسيا"؛ لتقويض شرعيته والنيل من فوزه في السباق الرئاسي، مدللًا على ذلك بنشر مديرة الاستخبارات الوطنية، مئات الوثائق السرية المرتبطة بقضية "راشاغيت".
وقال ترامب إن هذه الوثائق تثبت أن أوباما أمر شخصيًا عناصر في السي آي إيه، بفبركة معلومات استخباراتية كاذبة ضده، بهدف إضعاف ثقة الأمريكيين بالديمقراطية وبنتائج انتخابات 2016، وختم ترامب منشورًا له على منصته "تروث سوشيال" بالقول: "اعتقلوا أوباما فورًا!".
حصانة الرؤساء السابقين
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، الدكتور نبيل ميخائيل، إن هناك حصانة للرؤساء الأمريكيين السابقين، إلا في حالة ارتكاب هذا الشخص جريمة يعاقب عليها القانون، سواء كانت جريمة أخلاقية، أم جريمة جنائية.
ويرى ميخائيل في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ترامب يحاول أن يصور نفسه على أنه ضحية لهجمات أوباما عليه، والتي أصبحت متكررة من قبل الرئيس الأمريكي السابق؛ لمعارضته سياسات الرئيس الحالي، خاصة في ملفات الهجرة، واستخدام القوة المسلحة لمطاردة المهاجرين غير الشرعيين، أو من لا يمتلكون إقامة قانونية بالولايات المتحدة.
مشادات الهجرة تتطور
وأشار ميخائيل إلى أن ما يجري يمثل سجالًا أو نوعًا من المشادات الحادة جدًا بين أوباما الذي يهاجم ترامب، والأخير الذي يدافع عن سياسة الهجرة الخاصة بإدارته، ولكن الموضوع أخذ بعدًا أعمق من ذلك.
وبين ميخائيل ذلك بالقول، إن هناك اتهامات أجهزة أمنية في إدارة ترامب لأوباما، بأنه كان يتجسس عليه، وأنه دبر "مكيدة" مفادها أن الرئيس الجمهوري استعان بتأييد من روسيا للوصول إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2016، وذلك ضد المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
قضية إبستين تطل برأسها
وأضاف أن اتهامات أوباما تتعلق بأن هذه الانتخابات قد زورت من قبل عناصر خارجية وداخلية موالية للرئيس ترامب، وقد تأخذ منحى آخر ليس فقط من جانب ترامب، وإجراء حول هذه الاتهامات من قبل وزارة العدل الأمريكية.
ويعتقد ميخائيل أن هذه الاتهامات قد تتكرر وتكون أكثر حدة مع اقتراب الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2026، وبالتالي فإن الهجوم لن يكون موجهًا فقط إلى أوباما، بل سيمتد أيضًا ليشمل الديمقراطيين، وسيكون مشهدًا سياسيًا شيقًا يحمل مواجهات حادة بين ترامب والرئيس الأسبق.
واستكمل أنه وفقًا لظروف معينة، سيكون لأوباما دور فاعل في انتخابات 2026 التشريعية، ما سيؤدي إلى ارتفاع نغمة التوتر في السياسة الأمريكية، وبالذات مع استمرار التعقيد في قضية إبستين، وكشف أوراق كثيرة خاصة بملف هذه القضية الشائكة، التي قد تتسبب في فضائح للعديد من الشخصيات العامة.
محاسبة المتورطين في مينيابوليس
ويؤكد الباحث في الشأن الأمريكي، الداه يعقوب، أن ترامب بمطالبته باعتقال أوباما، يحاول لفت الأنظار بعيدًا عن القضايا التي تلاحقه حاليًا، ولا سيما بعد الإفراج عن ثلاثة ملايين ملف تتعلق بقضية إبستين وشكوك حول علاقته بالرجل، وظهور صور لزوجته ميلانيا مع إبستين.
وأفاد يعقوب لـ"إرم نيوز"، أن ترامب يستخدم هذه "البالونة" مع تصاعد أزمة ملف الهجرة والجدل الواسع حول الميزانية، والمخاوف من الإغلاق، في ظل رفض الديمقراطيين وبعض الجمهوريين أيضًا التصويت على هذه الميزانية، بسبب طريقة تعامل الشرطة مع المواطنين في مينيابوليس، ومحاسبة المتورطين في هذا الملف.
شعبية ترامب تنخفض 30%
وذكر أن ترامب يسعى إلى إبعاد الأضواء عن الملفات التي ساهمت بشكل مباشر في خفض شعبيته إلى حدود 30% فقط، في ظل الوضع الاقتصادي والتضخم المتصاعد، وانشغاله المتزايد بالملفات الخارجية على حساب القضايا الداخلية، خلافًا لما كان يتوقعه المواطن الأمريكي.
وبحسب يعقوب فإن السوابق القضائية محفوظة، ولا يمكن الحديث عن استجابة سريعة من قبل السلطات العدلية لمطالب ترامب، لأنه هو ذاته واجه مساعي حثيثة لاعتقاله خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن، إلا أن مسار القضاء والعدالة في الولايات المتحدة يبقى منفصلًا عن السلطة التنفيذية.
من ووترجيت إلى كلينتون ومونيكا
وأردف أنه بناءً عليه، لا يمكن القول بوجود اعتقالات قد تطال أوباما أو غيره من الرؤساء استجابة للجدل والتلاسن السياسي المعتاد بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وبين ترامب من جهة، وكل من بايدن وأوباما، إضافة إلى بيل كلينتون من جهة أخرى.
واعتبر يعقوب أن الأمر أقرب إلى تعاطٍ سياسي لا ينعكس بالضرورة على الملف العدلي، الذي يسلك مسارًا آخر وتحقيقات أشمل، وآخرها كانت "ووترجيت" ولم يحدث أي شيء بعدها سوى محاكمة الرئيس الأسبق بيل كلينتون في الكونغرس على خلفية قضية مونيكا لوينسكي والتي انتهت بنجاته من العزل.
ولفت إلى أن الأمر ذاته كان مع ترامب الذي نجا من محاولات العزل السابقة التي قام بها مجلس النواب والكونغرس، وكذلك مجلس الشيوخ، الذين حاولوا عزله عن الحياة السياسية.