مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، أصبح الشتاء في كييف سلاحًا يُدار من على بُعد آلاف الكيلومترات، خاصة أن موسكو لم تكتفِ بالقتال على الجبهات، بل استهدفت نظام الطاقة والبنية التحتية، لتجعل من الظلام والبرد أداة ضغط إضافية.
ومع انخفاض درجات الحرارة إلى -15 درجة مئوية في بعض الأيام، تبدو المدن الأوكرانية كأنها تتعرض لهجومٍ مضاعف: قصف جوي من الخارج، وشتاء قاتل من الداخل.
ووفقًا للمراقبين، تُعرف الإستراتيجية الروسية لدى المسؤولين الأوكرانيين بـ"تسليح الشتاء"، وهي حملة قصف مدروسة تُزامن الضربات مع أبرد فترات العام، بهدف حرمان السكان من التدفئة والمياه الجارية، وإرغامهم على النزوح أو الضغط على الحكومة لقبول تسويات سياسية.
وفي ظل هذه الحرب، لا يقتصر الأمر على انقطاع الكهرباء فحسب، بل يمتد إلى تعطّل المستشفيات ووسائل النقل، وخلق فوضى لوجستية تزيد من معاناة المدنيين، خاصة كبار السن والأطفال.
وكشفت الأرقام عن حجم الكارثة، إذ شهد العام الماضي تنفيذ 612 هجومًا روسيًا على البنية التحتية للطاقة، إضافة إلى أكثر من 256 غارة منذ بداية موسم التدفئة في أكتوبر.
وفي يناير/كانون الثاني 2026 وحده، شنّت روسيا موجات قصف كثيفة استخدمت فيها مئات الطائرات المسيّرة، والصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، ما أدى إلى ترك ملايين الأوكرانيين دون كهرباء، وتسجيل وفيات وإصابات في صفوف المدنيين.
وترى روسيا أن ضرب منشآت الطاقة يعيق قدرة أوكرانيا على تصنيع الأسلحة والذخائر، ويُضعف قدرتها على الصمود، فيما تصف الأمم المتحدة هذه الهجمات بأنها "قاسية"، وتشكل خرقًا لقواعد الحرب.
وفي المقابل، تحاول أوكرانيا مقاومة هذا الهجوم عبر بناء شبكات بديلة، وتوزيع مصادر الطاقة، وإنشاء مراكز تدفئة عامة، مع الاعتماد على الدعم الغربي في مجال المولدات، وأنظمة الدفاع الجوي.
ويرى خبراء أن "سلاح الصقيع" لم يكن خيارًا روسيًا منذ بداية الحرب، بل ظهر، لاحقًا، بعد تغيّر قواعد الاشتباك عقب استهداف البنية التحتية الروسية، ما دفع موسكو إلى الرد بضربات صاروخية واسعة استهدفت شبكات الطاقة والكهرباء.
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، أشار الخبراء إلى أن دخول فصل الشتاء يضاعف تأثير هذه الهجمات، لأن انقطاع الكهرباء يوقف التدفئة والمياه، ويعطّل المستشفيات ووسائل النقل، ما يحوّل الهجمات إلى وسيلة ضغط نفسي ومعيشي على السكان، بهدف إنهاك المجتمع ودفعه للضغط على الحكومة أو النزوح.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمود الأفندي، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إن "سلاح الصقيع" لم يكن خيارًا مطروحًا في روسيا في بداية العملية العسكرية، مشيرًا إلى أنها التزمت في مراحلها الأولى بعدم استهداف أي بنية تحتية تُستخدم لأغراض مدنية.
وأوضح الأفندي لـ"إرم نيوز" أن قواعد الاشتباك تغيّرت بعد استهداف أوكرانيا جسر القرم، وهو ما شكّل نقطة تحوّل في الصراع، لتبدأ بعدها مرحلة حرب البنية التحتية.
وأضاف الخبير في الشؤون الروسية أن أوكرانيا استمرت في استهداف البنية التحتية الروسية، وردّت موسكو بالمثل، لكن الاختلاف يكمن في الأدوات وحجم التأثير.
وأشار إلى أن روسيا، عندما تستهدف البنية التحتية الأوكرانية، تُصدر بيانات رسمية تؤكد أن الضربات تأتي ردًا على استهداف منشآتها، لافتًا إلى أن موسكو تعتمد على الضربات الصاروخية ذات التأثير الكبير، في حين تفتقر أوكرانيا إلى قدرات مماثلة وتعتمد، بشكل أساس، على المسيّرات.
وشدد الأفندي على أن استهداف الكهرباء والطاقة يُعد تكتيكًا حربيًا، إذ تضع روسيا كييف أمام خيار صعب بين تخصيص الطاقة للمدنيين أو تشغيل المصانع المنتجة للذخائر، معتبرًا هذا الهدف مشروعًا من وجهة النظر الروسية.
وأضاف أن ضرب منشآت الطاقة يهدف إلى تقليص قدرة أوكرانيا على تصنيع الأسلحة، ما ينعكس على سير المعارك، ويفتح المجال أمام التقدم الروسي.
من جهته، أكد كامل حواش، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن روسيا استهدفت، منذ بداية الحرب، منشآت الطاقة الأوكرانية بشكل منهجي، وأن دخول الشتاء يضاعف تأثير هذه الضربات، لأن انقطاع الكهرباء يعني توقف التدفئة والمياه، وتعطّل المستشفيات ووسائل النقل في درجات حرارة تحت الصفر.
وأضاف حواش لـ"إرم نيوز" أن الهدف يتمثل في إنهاك المجتمع الأوكراني داخليًا، ودفع السكان للضغط على الحكومة أو النزوح، مشيرًا إلى أن هذا الضغط يستنزف موارد الدفاع الجوي، ويعيق عمليات الإصلاح.
وأوضح أن رد كييف يتمثل في توزيع مصادر الطاقة، وبناء شبكات بديلة، وإنشاء مراكز تدفئة عامة، مع الاعتماد على الدعم الغربي لتعويض الانقطاعات.
وأشار الخبير في الشؤون الأوروبية إلى أن استخدام الطاقة كسلاح خلال الشتاء يعكس إستراتيجية ضغط نفسي ومعنوي تستهدف المجتمع، ويبرز أهمية الاستعداد المدني والبنية التحتية البديلة في الحفاظ على استقرار الدولة.
كما لفت إلى أن روسيا لا تستهدف الكهرباء فقط، بل تعمل على ضرب شبكات النقل والطاقة بشكل متكامل، لأن تعطيل هذه الشبكات يخلق دوامة أزمة تتفاقم مع كل انقطاع، فتزداد أعباء الإصلاح والصيانة، وتقل قدرة الدولة على التعافي السريع.
وأضاف أن هذا النوع من الهجمات يهدف أيضًا إلى خلق حالة من الفوضى اللوجستية، تجعل عمليات الإمداد والتوزيع داخل المدن أكثر صعوبة، ما يزيد من ضغوط السكان على السلطات المحلية، ويُضعف الروح المعنوية للجيش والمجتمع معًا.