logo
العالم

فنزويلا.. "النفط" يشعل حرباً طاحنة بين حكومة رودريغيز والميليشيات

رئيسة فنزويلا بالنيابة ديلسي رودريغيز المصدر: (أ ب)

لا يبدو أن طريق رئيسة فنزويلا بالنيابة ديلسي  رودريغيز الخاص بإدماج الشركات النفطية الغربية في منظومة استخراج النفط الفنزويلي، سيكون مفروشًا بالورود، إذ من الواضح أنّ هذه الخطوات لا ترضي الميليشيات المسلحة التي تسيطر على أكبر آبار النفط وباتت تمثل "دولة" داخل "الدولة".

والتقت رودريغيز مع رؤساء شركة النفط الإسبانية "ريبسول" وشركة النفط الفرنسية "موريل آند بروم"، وذلك عقب تعديل قانون المحروقات بعد شهر من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة.

اجتماعان استثنائيان

وذكر راديو "فرانس إنتر" نقلاً عن بيانين صادرين عن شركة النفط الحكومية الفنزويلية العملاقة (PDVSA)، أن ديلسي رودريغيز عقدت اجتماعًا مع مسؤولي ريبسول لتعزيز سيادة البلاد في مجال الطاقة من خلال الاحترام والتعاون المتبادل المنفعة.

كما التقت الرئيسة المؤقتة مسؤولي "موريل آند بروم"، بهدف توطيد التحالفات الاستراتيجية التي تعزز قدرة البلاد على إنتاج الطاقة.

وتعتبر مصادر سياسية مطلعة من كاراكاس أنّ خطوة رودريغيز تصبّ في خانة توسيع هوامش التحرك والبحث عن بدائل حقيقية للشركات الصينية والروسية، والتي سبق وأن حظيت بعقود وحقوق امتياز فيما يخص استخراج وتثمين وتوريد النفط الفنزويلي.

تشير المصادر إلى أنّ هذه الخطوة الجديدة تُراعي كثيرًا الفاعل الأمريكي، حيث اتجهت كاراكاس إلى شركات أجنبية غير روسية وصينية، ما يؤكد ثقل اليد الأمريكية في صناعة القرار في كاراكاس اليوم.

ولئن راعت هذه الخطوة واشنطن في مستوى اختيار الشركاء، إلا أنها في الوقت نفسه تمثل محاولة من حكومة رودريغيز للبحث عن بدائل أخرى غير البديل الأمريكي، وتوسيع مظلة الخيارات، حتى لا تسقط البلاد في ظلّ وصاية كاملة.

وتتوافق هذه الخطوات الفنزويلية مع تصريح لافت أدلى به رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف اليوم، حيث أشار إلى أنّ الشركات الروسية تتلقى إخطارات يومية لإجبارها على مغادرة فنزويلا.

وتابع لافروف أن روسيا ترى كيف يتم التضييق علنًا على الشركات الروسية لإجبارها على مغادرة البلاد، عقب الأحداث في فنزويلا.

مسافة نقدية ... ولكن

ويرى مراقبون أنّ استبدال كاراكاس الشركات النفطية الروسية والصينية بشركات أمريكية وإيطالية وفرنسية، إنّما يؤكد المسافة النقدية المطردة التي تأخذها "فنزويلا الجديدة" من الشركاء السياسيين والاقتصاديين التقليديين للثورة البوليفارية وللتيار التشافيزي المادوريّ.

غير أنّ هذه الخطوة، لا يبدو أنّها ستكون سالكة، لاعتبارات عديدة على رأسها الميليشيات اليسارية المسلحة، والتي تهيمن على عدّة آبار بترول وتستخدم عائداته في التسليح وفي الهيمنة الفعلية على بعض المقاطعات والمحافظات.

أخبار ذات علاقة

في عملية "أمريكية-فنزويلية" مشتركة.. اعتقال حليف مادورو المثير للجدل

عملية أمريكية-فنزويلية.. خفايا اعتقال أليكس صعب "حليف مادورو" (فيديو إرم)

ووفقًا للمُراقبين، فإنّ الشركات الرّوسية والصينية تحسن التعامل مع الميليشيات اليسارية، أولًا بسبب التقارب في مستوى الأيديولوجيا، على الأقل العداء المعلن لواشنطن ولـ"الإمبريالية الأمريكية"، وثانيًا أنّ هذه الشركات تتحمّل مسؤولية أمنها وسلامة طاقمها وتعتبر أنّ ملف السلامة الجسدية جزء من تكلفة التمركز في أماكن خطيرة.

وهي أمور جدّ مستعصية بالنسبة للشركات النفطية الغربية (الأمريكية أساسًا وبصفة أقل الفرنسية والإيطالية)، والتي ستجد تربة وبيئة سياسية وعسكرية طاردة، قد تدفعها إلى البحث عن حلول ثانية، من بينها اعتماد بعض الوكلاء المحليين، أو تغيير اسم الشركة، أو إخفاء أعلامها.

ويُماثل المتابعون في هذا السياق بين النموذج الكونغولي الديمقراطي والنموذج الفنزويلي، فنجاح الشركات الروسية والصينية في التمركز في أماكن استخراج المعادن الثمينة والنادرة يعود أساسًا إلى تحمّل تكلفة التهديدات الأمنية وحسن التعاطي مع الميليشيات الحدودية، والنجاح في اقتلاع تأييد شريحة واسعة من المجتمعات المحلية.

في حين أنّ الكثير من الشركات الغربية وخاصة الأمريكية، لم تنجح في التوغّل في الجغرافيا الكونغولية الديمقراطية، وارتضت بحلول ثانية، على غرار "ممرّ لوبيتو"، وهو ممر لا يزال في طور الإنجاز وقد لا يرى النور يومًا.

جغرافيا انتشار الميليشيات المسلحة

ويبسط الخبراء جغرافيا واسعة لانتشار الميليشيات اليسارية المسلحة في فنزويلا، وسيطرتها على آبار النفط ومناجم الذهب في البلاد.

ويشير الخبراء إلى أنّ ميليشيا "الكولكتيفوس"، وهي ميليشيا شبه نظامية، تسيطر على أجزاء واسعة من محافظة "زوليا"، التي تضم حوض بحيرة ماراكابيو، أقدم المناطق النفطية.

وتهيمن هذه الميليشيا بشكل كامل على عمليات تهريب الوقود وتفرض إتاوات على المقاولين المحليين، ويقدر عدد عناصرها في محافظة "زوليا" فقط ما بين 5 آلاف إلى 7 آلاف عنصر مسلح يتمركزون في محيط المنشآت.

كما تسيطر ميليشيات أخرى – ذات طابع وطني بوليفاري – على مناطق واسعة من ولاية "أنزواتيغي"، حيث يبلغ تعدادها ما بين 10 آلاف إلى 15 ألف مسلح، وتقوم بأدوار عديدة من بينها حماية مجمعات التكرير والموانئ النفطية مقابل عائدات مالية معتبرة.

وفي ولاية موناغاس، والتي تعد ثاني أكبر منتج للنفط والغاز، تسيطر ميليشيات قوات التحرير البوليفارية على كافة الطرق اللوجستية المؤدية لآبار النفط في المناطق النائية. ويبلغ تعدادها قرابة 3 آلاف مقاتل.

كابوس الميليشيات الكولومبية

ويكشف المتابعون أنّ وجود الميليشيات الكولومبية ممثلة في "جيش التحرير الوطني" و"منشقي منظمة فارك"، من شأنه أن يزيد الطين بلّة، حيث إنّ هذه الميليشيات خارج سيطرة الدولة بشكل كبير، وقد استطاعت أن تستوطن المناطق الحدودية بين فنزويلا وكولومبيا، ما حوّلها إلى خاصرة رخوة للدولة الفنزويلية.

وحسب المصادر الإعلامية الفنزويلية، فإنّ الميليشيات الكولومبية تهيمن بشكل شبه كامل على مناجم الذهب والألماس والمنغنيز في ولايتي "بوليفار" و"أمازوناس" في جنوب البلاد.

والأكثر من كل ما سبق أنّها تشرف على استخراج الذهب وتؤمن طرق تهريبه مقابل تأمين حصص معتبرة للنخبة السياسية والعسكرية التي لا تزال موجودة في كاراكاس.

وتفيد مصادر إعلامية ميدانية بأنّ الميليشيات الكولومبية أنشأت مجالس حكم محلية في أماكن سيطرتها، وصارت تؤمن أدوارًا مدنية عديدة، الأمر الذي حوّلها لدى الأهالي إلى سلطة فعلية وشبه دولة قائمة الذات.

حيث تقوم بشكل دوري بتوزيع المساعدات والسلع التموينية على الأحياء الفقيرة، وأنشأت محطات إذاعية محلية لنشر الأيديولوجيا التشافيزية الماركسية، وصارت تؤمّن أدوارًا خدماتية وأمنية عديدة.

حجر عثرة في طريق ديلسي رودريغيز

ويتوافق الخبراء والمتابعون للشأن الفنزويلي على اعتبار ملف الميليشيات واحدًا من أعسر الملفات التي ستواجه المرحلة الانتقالية في فنزويلا، ذلك أنّه يشكل استحقاقًا أمنيًا وأيديولوجيًا واقتصاديًا مركبًا.

فبالنسبة للأبعاد الأمنية، فلا توجد أية مقاربة لدمجهم في القوات العسكرية أو الأمنية في فنزويلا، حيث إنّ عددهم الإجمالي يتجاوز في أقل الدراسات والإحصائيات حد الـ100 ألف مسلّح.

ولئن كان من الممكن نظريًا دمج المسلحين الفنزويليين، فإن دمج المسلحين الكولومبيين متعذّر جملة وتفصيلًا.

أخبار ذات علاقة

ديلسي رودريغيز

بعد شهر من الإطاحة بمادورو.. الرئيسة الفنزويلية تفتح الباب لشركات نفط أجنبية

كما تعتبر الترسانة التسليحية التي بحوزتهم خطرًا على كل دولة تريد سحب السلاح أو تبتغي تعميم قرارها وسيادتها على كلّ أرضها.

أمّا البعد الأيديولوجي، فمتمثل أساسًا في رفضها القُرب من واشنطن، واعتبار الأخيرة عدوّا "وجوديًا أيديولوجيًا" لا يمكن التوافق معه مرحليًا أو استراتيجيًا، وهي ثابتة فكريا وثقافيا لا يمكن التنبؤ بتداعياتها في حال التمكن الأمريكي من كافة موارد البلاد.

أمّا اقتصاديًا، فمتجسد في حتمية خوض الحكومة القائمة لمكاسرة سياسية ستفضي في غالب الأحوال إلى مكاسرة عسكرية مع هذه الميليشيات لإخراجها من مكامن النفط والبترول، وإجبارها على رفع يدها عنها.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC