رأت مجلة "فورين أفيرز"، أن صمود اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين واشنطن وطهران، في الـ7 من شهر نيسان/أبريل الجاري، أمر "حتمي"، لأن استمرار القتال لم يعد يجلب مكاسب إستراتيجية.
وبيّنت المجلة أن الاتفاق ليس مجرد هدنة عابرة، بل نتيجة حتمية فرضتها بنية الصراع المعقَّدة، مشيرة إلى أن هذا المسار كان متوقعاً، إذ قيدت هيكلية المواجهة صناع القرار في البلدين، وأجبرت حتى القيادات الأكثر راديكالية على الانصياع لمنطق الضرورة السياسية، والهروب من الهاوية، وفق تعبيرها.
وأشارت المجلة إلى أن كلا الطرفين ادَّعى تحقيق النصر في حربهما الأخيرة، مروّجين لخطاب صمود الجبهة، وانكسار إرادة الخصم، بينما تشير الحقائق الميدانية إلى توافق ضمني على مبدأ "التعادل" لإنهاء حالة الاستنزاف.
وأوضحت أنه على غرار مناورات الشطرنج، تجاوزت الحرب مراحل الافتتاح والاشتباك لتستقر في "مرحلة النهاية"، وهي الفترة الحرجة التي تتبلور فيها ملامح التسوية بعد إدراك استحالة الحسم العسكري المباشر.
ونوهت إلى أن "المرحلة النهائية" بدأت مع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدمار شامل رداً على إغلاق مضيق هرمز، مما وضع القوى المتصارعة أمام خيارين، هما: "إما الانزلاق لنزاع عدمي أو القبول بتهدئة مؤقتة".
واعتبرت أن "صمود الهدنة" يعود إلى شعور الطرفين بوطأة الخسائر، فاستمرار القتال لم يعد يجلب مكاسب إستراتيجية، بل يضاعف التكلفة السياسية والاقتصادية بشكل لا يمكن تحمّله من قبل الإدارة الأمريكية أو النظام الإيراني.
وذكرت المجلة أن واشنطن أخطأت بحساباتها حين ظنت أن المواجهة ستكون خاطفة، وقليلة الكلفة، إذ أثبتت طهران قدرتها على الرد، مما حول النزاع إلى ما يشبه "مزاد الدولار" الكارثي في علم الاقتصاد.
وفي ذلك المزاد يندفع المتنافسون لرفع الرهانات هرباً من خسارة أولية، لينتهي بهم الأمر بدفع أثمان تفوق قيمة الجائزة الأصلية بكثير، وهو الفخ الذي سقطت فيه القوى العظمى والإقليمية، وفق تعبير التقرير.
ومع حلول أواخر شهر آذار/مارس الماضي، انزلقت الحرب نحو منطقة الخسارة المطلقة للجميع، حيث لم تعد القوة الجوية الأمريكية، ولا الهجمات الإيرانية على البنية التحتية في الخليج، قادرة على حسم المعركة.
ولفتت المجلة إلى أنه في تلك الفترة، نشأت حالة من "الردع المتبادل" حالت دون استخدام الأسلحة الفتاكة، خوفاً من رد فعل انتقامي، مما دفع اللاعبين للانسحاب خطوة إلى الوراء والبحث عن مخارج دبلوماسية.
ورأت المجلة أن وقف إطلاق النار يمثل اعترافاً ضمنياً بعجز القوة عن تحقيق الطموحات القصوى، مما يفتح الباب أمام مفاوضات شاقة في باكستان تتناول ملفات النووي، والصواريخ، والعقوبات.
وذكرت أن المفاوضات تواجه فجوات هائلة في المطالب، لكن الخوف من العودة إلى "جحيم الاستنزاف" سيعمل كلاصق قوي يحافظ على تماسك الهدنة، رغم شكوك المشككين في إمكانية التوصل إلى سلام مستدام.
وفي ظل غياب دبلومسيين بحجم هنري كيسنجر، يرجح المراقبون خروج المحادثات بصيغة "ترحيل الأزمات"، وهي سياسة تضمن استئناف النشاط الاقتصادي في الخليج مع إبقاء القضايا الشائكة عالقة بلا حل.
ورجحت المجلة أن تحتفظ طهران بجزء من طموحاتها النووية مقابل قيود تقبل بها واشنطن، بينما ستُرفع بعض العقوبات الاقتصادية لإعادة الحياة للموانئ، في إطار صفقة "الأمر الواقع" التي تضمن بقاء النظام.
أما الموقف الإسرائيلي، فيشكل العقبة الأبرز نظراً لتباين المصالح مع واشنطن، حيث تسعى تل أبيب إلى ضمان حرية التحرك في لبنان، بينما تحاول إيران تقييد أي نشاط عسكري إسرائيلي مستقبلي.
ومع ذلك، لن تسمح القوى الكبرى للملف الإسرائيلي بتفجير التفاهمات الكبرى، فالرهانات المتعلقة باستقرار سوق الطاقة العالمي تفوق في أهميتها الحسابات الإقليمية الضيقة لبعض الحلفاء، تماماً كما حدث سابقاً.
وبحسب المجلة فقد حققت واشنطن أهدافاً عسكرية دنيا، لكنها فشلت في تحقيق تحول إستراتيجي جذري، إذ سيبقى النظام الإيراني قائماً رغم تضرر قدراته، وستبقى التوترات الإقليمية تحت الرماد تنتظر شرارة جديدة، وفق تعبيرها.